حين يتحول الدفاع عن الشمولية إلى تهمة

أثار الصحفي الإخواني، الهيبة ولد الشيخ سيداتي، جدلاً حين عنون تعليقه على الوثيقة الوطنية الخاصة بمعالجة المظالم وحقوق الإنسان بعبارة: “قوميو موريتانيا ينتفضون ضد تسوية ملفات الإرث الإنساني”.
والحقيقة أن هذه العبارة تكشف عن إشكال جوهري في طريقة مقاربة بعض النخب للملفات الحقوقية والوطنية الحساسة، لأنها تقوم على افتراض غير صحيح مفاده أن كل دعوة إلى توسيع دائرة العدالة والإنصاف لتشمل جميع الضحايا هي بالضرورة موقف معادٍ لملفات الإرث الإنساني.
فالوثيقة موضوع النقاش لم تدعُ إلى إلغاء أي ملف من ملفات الانتهاكات، ولم تنكر أحداث 1990 و1991، بل على العكس من ذلك جعلتها ضمن القضايا التي تستحق المعالجة والإنصاف وجبر الضرر. غير أنها رفضت حصر تاريخ المظالم الوطنية في فترة زمنية واحدة أو في إطار اجتماعي واحد، ودعت إلى مقاربة وطنية شاملة تتعامل مع مختلف الانتهاكات التي عرفتها البلاد بروح العدالة والمساواة.
ومن هنا تكمن خطورة عبارة الهيبة ولد الشيخ سيداتي؛ فهي لا تناقش مضمون الوثيقة بقدر ما تسعى إلى إعادة تصنيف أصحابها داخل خانة أيديولوجية مسبقة، وكأن المطالبة بشمول العدالة أصبحت مرادفة لمناهضة العدالة نفسها.
إن المنطق الذي يعتبر أن الاعتراف بمظالم أخرى يهدد الاعتراف بأحداث 1990 و1991 هو منطق يقود عملياً إلى تجزئة حقوق الإنسان وتقسيم الضحايا إلى درجات، وهو ما يتناقض مع المبادئ الكونية للعدالة والإنصاف.
فإذا كانت أحداث 1990 و1991 تستحق الحقيقة والإنصاف، فإن كل انتهاك آخر يستحق الحقيقة والإنصاف أيضاً. وإذا كان من حق ضحايا مرحلة معينة أن تُسمع أصواتهم، فمن حق بقية الضحايا كذلك ألا يُطوى ذكرهم أو يُستبعدوا من الذاكرة الوطنية.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن المصالحة الوطنية لا تُبنى على الانتقاء، ولا على اختزال التاريخ في حدث واحد، بل على الاعتراف الشامل والمتوازن بكل ما وقع من مظالم وانتهاكات. أما تحويل الملف الحقوقي إلى قضية فئوية أو عرقية أو أيديولوجية فإنه يهدد بإبقاء الجراح مفتوحة ويجعل الماضي مادة دائمة للصراع بدل أن يكون مدخلاً للإنصاف والمصالحة.
إن الوثيقة الوطنية الأخيرة تمثل محاولة جادة للخروج من هذا المأزق، لأنها تنطلق من مبدأ بسيط وعادل: لا ضحية فوق ضحية، ولا مظلمة أهم من مظلمة، ولا يمكن بناء وحدة وطنية راسخة إلا على أساس عدالة تشمل الجميع.
ولهذا فإن النقاش الحقيقي يجب أن ينصب على مضامين الوثيقة ومقترحاتها العملية، لا على إلصاق التهم بموقعيها أو تصنيفهم سياسياً. فالقضية ليست قضية قوميين أو إسلاميين أو يساريين، وإنما قضية وطن يبحث عن صيغة عادلة وشجاعة لمواجهة ماضيه وبناء مستقبله.
المفتش:سيدي محمدولداخليفه







