من وحي قصيدة “صاحب الكرسي”

شعر : محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
كاتب ، صحفي ، انواكشوط
medabd388@gmail.com
هذه أبيات عابرة كتبتها دون تريث، ولم أقصد بها شخصا بعينه، بقدر ما عبرت عن شعور إنساني مر بي، وربما مر بغيري: أن ترى بعض الأصدقاء الذين جمعتك بهم أيام صعبة، وذكريات جميلة، ولقاءات لا تنسى، وقد أصبحوا اليوم في مواقع كبيرة، ثم تشعر أن المسافة بينهم وبينك لم تعد هي المسافة نفسها.
لا ألوم أحدا على نجاحه، ولا أحسد صديقا على منصب وصل إليه، بل أفرح لكل من أعرفه حين يفتح الله له بابا من أبواب الخير والمسؤولية. فالمنصب في حد ذاته ليس مشكلة، وإنما المشكلة حين يجعل الإنسان ينسى الوجوه التي أحبته قبل أن يعرف الناس اسمه، والأيدي التي صافحته قبل أن تحيط به أبواب المكاتب والحراس والمواعيد.
الصداقة الحقيقية لا تحتاج إلى مكتب، ولا إلى موعد رسمي، ولا إلى بطاقة دعوة. والصديق الذي عرفته قبل المنصب لا ينبغي أن يصبح غريبا بعده.
قد تتغير الظروف، وتتبدل المسؤوليات، ويضيق الوقت، وهذا مفهوم ومقبول؛ لكن أجمل ما في الإنسان أن يحتفظ بقدر من الوفاء لمن كانوا جزءا من رحلته، وأن يتذكر أن المناصب عابرة، وأن الكراسي لا تدوم، بينما تبقى المواقف في ذاكرة الناس.
كتبت تلك الأبيات ساخرة من هذه المفارقة، وربما كان فيها شيء من العتاب، لكنها في حقيقتها ليست خصومة مع أحد.
إنها مجرد رسالة إنسانية بسيطة:
لا تجعل المنصب يمحو الصديق، ولا تجعل الكرسي ينسيك الإنسان الذي كنته قبل أن تجلس عليه.
فغد ، حين تنتهي المسؤولية، لن يسأل الناس أين كان مكتبك، ولا كم كان عدد حجابك، بل سيتذكرون كيف كنت مع من عرفوك قبل أن تصبح صاحب منصب.
وما أجمل أن يخرج الإنسان من المنصب، كما دخله:
بوجهٍ لا يخجل من أصدقائه، وذاكرة لا يخجل هو من مراجعتها.
القصيدة بعنوان : صاحب الكرسي !
يسائلني” بابا” عن العهد ما له
فقلت: مضى عهد، وأدركه الدهر
فقال: أكان الأمس صاحب صحبة
فقلت: نعم، نعم حتى تبدل الأمر
فقال: أكان يقول للناس إنني
رفيق الضعيف، لا أهاب ولا أَذر؟
فقلت: بلى، كان الكلام سجية
وكان له في كل مجلسنا ذكر
فقال: فما بال الذي كان بيننا
من الود والإخلاصِ قد مسه الهجر؟
فقلت: تولي منصبا فتغيرت
موازينه واستبدل وده وزر
فقال: أضاع الرفق أم ضاع عهده؟
إذا جاء الكرسي جاء معه الغدر!
فقال: وهل ينسى رفيق صديقه
إذا صار باب الوزارة له أمر؟
فقلت: رفيق الأمس يضحي غريبه
إذا صار أمام الباب أحاجيبه كثر!
أكان بالأمس يلعن مفسدا
ويكتب أ افكارا للكل لا حكر؟
فقلت: بلى، كان صوته صارخا
فلما تولي … صار لصمته عسر
أكان يعيب أهل المناصب كلها
إذا بدلوا أصحابهم حينما يثروا؟
فقلت: نعم، حتى إذ ذاق كأسها
لما رأيت الذي يعيبهم كثرو
فقال: وأصحابه الذين تقاسموا
معه الخبز في الليالي ذوو عسر
فقلت: لهم باب ولكن ليس في
طريق الوزارة فالطريق له حجر
فقال: وهل يبقى الصديق صديقه
إذا حول الكرسي قوم لهم سِحر؟
أين الحر الذي كان لا يخشي
من الخلائق لا نفع ولا ضر
فقال «بابا»: إن المناصب فتنة
فمن حفظ العهد القديم له الفخر
فقلت: صدقت، فليس المجد رتبة
ولا مجدا، لا، ولا الجاه والعذر
فقلت: لعل المنصبَ اليوم عابر
ويبقى للإنسان ما حفظ الذكر







