مقال ولد أبوه.. هل خرج الصراع داخل السلطة إلى العلن؟

الاعلامي احمد ولد الدوه
لم يكن مقال الوزير السابق سيدي أحمد ولد ابوه، الذي انتقد فيه مداخلة الوزير الأول المختار ولد اجاي خلال احتفالية حزب الإنصاف، مجرد ملاحظة عابرة على خطاب سياسي لم يكن موفقًا، كما وصفه صاحبه، بل بدا وكأنه يفتح نافذة على ما هو أعمق من ذلك بكثير.
فبين السطور، تبرز إشارات إلى صراع مكتوم داخل دوائر النفوذ ومراكز القرار، أو ما يمكن تسميته مجازًا بـ«المخزن» أو «الدولة العميقة»، بين جيل تشكل نفوذه خلال مرحلة العشرية، وبين تيار جديد يرفع شعار التغيير وإعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة والحزب.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في مقال ولد ابوه هو حديثه عن «سطوة تيار فردي على الحزب»، وعن «إحكام القبضة على التعيينات في الإدارة»، وقوله إن الموريتانيين «لم ينتخبوا تيارًا ولا راعيًا لتيار».
هذه العبارات لا تبدو، في ظاهرها، مجرد نقد لأداء حزب سياسي، بل تحمل رسائل تتصل بطبيعة إدارة السلطة ومراكز النفوذ، وبمن يملك القرار الحقيقي داخل الحزب والدولة.
وعندما يتحدث الوزير السابق عن خطورة «التيارات داخل التشكيلات الحزبية»، ويصفها بأنها «معاول للهدم»، فإنه يضع يده على واحدة من أكثر القضايا حساسية في الأنظمة السياسية: صراع الأشخاص والتيارات داخل السلطة، حين يتحول الحزب من إطار جامع إلى ساحة للتنافس على النفوذ، وحين تصبح المواقع والتعيينات معيارًا للقوة السياسية.
ومن هنا، يمكن قراءة مقال ولد ابوه باعتباره تعبيرًا عن امتعاض تيار يرى أن المرحلة الجديدة لم تحقق، بالقدر الكافي، القطيعة مع بعض ممارسات المرحلة السابقة، وأن موازين القوة داخل الدولة ما زالت تتأثر بشبكات نفوذ تشكلت خلال «العشرية».
في المقابل، يبدو أن هناك تيارًا آخر يسعى إلى فرض واقع سياسي جديد، وإعادة تشكيل مراكز النفوذ، وتقديم وجوه جديدة، وإعادة ترتيب العلاقة بين الحزب والدولة، وهو ما قد يفسر جانبًا من التوتر الذي بدأ يظهر، ولو بشكل غير مباشر، في الخطاب السياسي لبعض الشخصيات المحسوبة على محيط السلطة.
وهنا تبرز أهمية الإشارة إلى «المأمورية الثالثة»، التي لم تعد مجرد نقاش دستوري أو مطلب سياسي ترفعه بعض الأصوات، بل أصبحت عنوانًا لصراع مبكر حول مستقبل السلطة ومن سيحدد اتجاه المرحلة المقبلة.
فالدعوة إلى مأمورية ثالثة، في هذا السياق، قد تكون بالنسبة لبعض الأطراف أكثر من مجرد مطالبة بتمديد الحكم؛ إنها، في جوهرها، معركة على شكل النظام القادم، وعلى من سيكون له النفوذ والتأثير في مرحلة ما بعد 2029.
ومن هذه الزاوية، فإن انتقاد ولد ابوه لمداخلة الوزير الأول قد يكون جزءًا من سجال أوسع حول سؤال أكبر: من يقود المرحلة؟ ومن يملك مفاتيح القرار؟ وهل نحن أمام استمرار لنفوذ منظومة سياسية وإدارية تشكلت خلال العشرية، أم أمام محاولة لإحداث تغيير حقيقي في تركيبة مراكز القوة؟
إن أخطر ما في الصراعات داخل الأنظمة السياسية ليس ما يظهر على المنابر، بل ما يجري خلفها. فالخطابات الرسمية غالبًا ما تتحدث عن وحدة الصف وانسجام المؤسسات، بينما تكشف العبارات السياسية العابرة أحيانًا عن تنافس مكتوم بين مراكز نفوذ متعددة.
وفي هذا السياق، فإن حديث ولد ابوه عن «تيار فردي» يفرض نفسه على الحزب والإدارة، وعن أشخاص يُقدَّمون على المؤسسات، يمكن أن يُقرأ باعتباره رسالة سياسية موجهة إلى داخل السلطة، لا إلى المعارضة.
وقد يكون المقصود من هذه الرسالة أن مرحلة ما بعد العشرية يجب ألا تتحول إلى إعادة إنتاج لنفس آليات النفوذ، وأن التغيير الذي انتظره الموريتانيون ينبغي أن يشمل أيضًا طريقة إدارة الدولة والحزب، لا أن يقتصر على تغيير الوجوه أو إعادة توزيع المواقع.
لكن الأهم أن المقال، في حال قراءته ضمن سياقه السياسي، يطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل العلاقة بين الحزب الحاكم ومراكز النفوذ داخل الدولة: هل يبقى الحزب مؤسسة سياسية جامعة، أم يتحول إلى ساحة تتصارع فيها التيارات والأجنحة؟ وهل تكون التعيينات والقرارات الإدارية انعكاسًا لمشروع الدولة، أم أداة لتثبيت نفوذ تيار بعينه؟
ورغم أن ولد ابوه لم يسمِّ صراحةً الجهة التي يقصدها، ولم يقل إن الوزير الأول يقود هذا التيار، فإن توقيت المقال وحدّة عباراته يجعلان من الصعب تجاهل دلالاته السياسية.
ولذلك، فإن ما جرى قد لا يكون مجرد خلاف حول مداخلة في احتفالية حزبية، بل ربما يكون إشارة إلى خروج جزء من الصراع الداخلي في دوائر السلطة إلى العلن.
صراع بين من يريد الحفاظ على نفوذ وموازين قوة تشكلت خلال سنوات مضت، ومن يرى أن المرحلة الجديدة تحتاج إلى إعادة ترتيب شاملة لمراكز القرار.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأكبر: هل نحن أمام بداية صراع علني بين «جيل العشرية» ودعاة التغيير، أم أن الأمر لا يتجاوز اختلافًا في الرؤى داخل بيت سياسي واحد؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.






