لن أستسلم ولن أسكت عن تهميشي ولا إقصائي

بقلم: يحياوي محمد الأمين ولد يحيى
نحن لن نسكت عن تهميشنا ولا إقصائنا، ولن نستسلم أو نرضخ للتحييد أو التأبيد. لقد دخلتُ المجال الإعلامي والصحافة منذ نعومة أظافري ولم أكن عالة عليها، ولذا إن كانت بالشهادات فأنا أستحق، وإن كانت بالكفاءة والمهنية فأنا أستحق، وإن كانت بالأقدمية والخبرة بالممارسة فأنا أستحق. وعليه، أنا لا أقبل هذا التهميش المقصود من قبل بلاط صاحبة الجلالة «إعلام الرئاسة» ولا من قبل وزارة الثقافة والاتصال. لم أحابِ أحداً يوماً ولم أُهادِن، وكتبتُ عن المظلومين والمفسدين، ونقلتُ أطراح الناس وأفراحهم، وكتبتُ عن المهمشين والمقصيين، واليوم أتطرق إلى نفسي كما كنت أنقل أتراح وأفراح البعض، الآن أسلط الضوء على قضيتي لأني لم أجد من يقف معي ويؤازرني إلا القليل من الزملاء الذين لا حول لهم ولا قوة.
لقد تعرضتُ للإقصاء والتهميش والكبت وكل أنواع الحيف، وكان أشدها استهداف بصري وتعرضي للكفّ بطريقة مقصودة في نهاية فترة ولد عبد العزيز بسبب انتقادي المستمر لمافيات الفساد من بداية حكمه وإلى آخره، والذين يبدو أنهم لا يزالون يعششون في القصر. وكان ذلك بسبب أحد عرابيه الذي كان يدير مؤسسات الاستشفاء في موريتانيا، إثر تحقيقاتي في فساد الأدوية المزورة، وامتداداً لذلك وكأن ولد عبد العزيز أوصى عليّ في القصر الرئاسي قبل مغادرته. حدث كل ذلك – وأنا الآن أعاني من مرض مزمن جراء الضغط المستمر وصداع شديد يتطلب علاجاً سريعاً – ولم تقف معي أي سلطة ولا أي نظام، ولم تمتد إليّ يد عون لرفعي إلى الخارج للعلاج أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه – وتم أيضاً إعطاء ترخيص موقعي لشخص آخر قريب من ذلك النظام، كما تم تجفيف منابع دخلي بتفقير المواقع التي أعمل فيها كـ«وكالة الإعلامي» وغيرها من المنصات التي كنت أستند إليها.
ولا يقتصر هذا التجاهل على ما سبق، بل يمتد إلى وزارة الثقافة والاتصال التي تعترف بالتراخيص وحدها ولا تعترف بالصحفيين أنفسهم، متخلية عن مساندتهم أو مؤازرتهم عند الشدة وما يتعرضون له من أعطاب، لتلوذ بصمت مطبق وكأن أصحاب المعاناة يعيشون خارج سجلاتها.
ورغم هذا الظلم الصارخ، وحتى بعد أن صرتُ كفيفاً ومعتقل الجدران رهين المحبسين، عاجزاً إلا عن الكتابة التي هي النبراس والنفس الذي أتنفس به، لا يثنيني ذلك عن الاستمرار ومواصلة النضال بالقلم. لقد كان ثمن تلك التحقيقات الصحفية التي أنتقد فيها فساد القصر الرئاسي والمحاباة وأرفع بها تظلمات الناس باهظاً، وما زلتُ سأقوم بذلك وأرفض الخنوع، فأنا لا أنتقد القصر لشخصه بل أنتقد الفساد المستشري فيه.
إنني أكتب بقوة عازمة في جميع فنون الكتابة؛ أكتب الشعر، والتقرير، والتحقيق، والتحليل السياسي، والسلاسل المقالية، وكافة أشكال الصحافة، بل وحتى باستطاعتي الكتابة باللغة الإنجليزية. لن تُطفئ العتمة تنوع هذا الفكر، ولن يحجب الإقصاء صوتاً يملك كل هذه الأدوات وهذا التاريخ، وكما قلتُ في قصيدتي «إلى أبي العلاء المعري»:
إِنَّ الصَّحَافَةَ فِي الْأَوْطَانِ مَذْعُورَةٌ … تَرْكُلُهَا أَرْجُلُ التَّنْكِيلِ فِي وَجَلِ
مَرْمِيَّةً دَاخِلَ الْقَصْرِ مُكَبَّلَةً … جَارِيَّةً بَيْنَ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالدَّجَلِ
أَقْلَامُنَا كُسِرَتْ كَيْ نَغْتَدِي مِثْلَكَ … طُوبَى لَكُمْ فَالْمَعَرِّي صَارَ لِي مَثَلِي
كُلُّ الْأَخِلَّاءِ فِي كَثْرَتِهِمْ أَعْرَضُوا … أَشْبَاحُ إِنْسٍ وَلَيْسُوا بِالَّذِي يَصِلِ
قَدْ حَاصَرُوا كُلَّ مَنْ يَرْجُو تَكَافُلَنا … بَيْنَ الخُنُوعِ وَبَيْنَ الخَوْفِ وَالخَبَلِ
مَا أَسْقَمُ القَصْرِ إِنْ أَغْضَى عَنِ الوجَعِ … يَرْمِي التَّعَاطُفَ فِي أَغْلالِ مُعْتَقَلِ
إِنْ يَمْنَعِ الْقَصْرُ كُلَّ الطِّبِّ عَنْ أَعْيُنِي … ذَاكَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّنْكِيلِ وَالذَّحَلِ
إِنْ لَمْ تَجِدْ فِي خُطُوبِ الدَّهْرِ مَنْ يُسْعِفُ … فَاصْبِرْ لِحُكْمِ الْقَضَا فِي خَلْوَةِ الرَّجُلِ






