رد النائب بيرام … بين جبر المظالم وتصحيح الاختلالات… المواطنة حق للجميع والدولة ليست للمحاصصة

أحمد الدوة الشنقيطي
أثار رد النائب بيرام الداه اعبيد على العريضة التي وقّعتها 242 شخصية موريتانية نقاشًا مهمًا حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الوطني، وهي قضية العلاقة بين الاعتراف بالمظالم التاريخية، وتصحيح الاختلالات الاجتماعية، وبناء دولة المواطنة المتساوية.
ورغم أن العريضة دعت، من بين أمور أخرى، إلى الاعتراف الدستوري بمكوّن وطني بعينه واعتماد سياسات للتمييز الإيجابي لصالحه.
فإن موقف بيرام بدا أكثر تمييزًا بين قضيتين مختلفتين:
الأولى تتعلق بضرورة الاعتراف بالمظالم التاريخية ومعالجتها، والثانية تتعلق بكيفية بناء مؤسسات الدولة وتوزيع المسؤوليات والفرص فيها.
في قراءته، لا ينكر بيرام وجود مظالم تاريخية ولا ينكر استمرار بعض آثارها، بل يؤكد أن العبودية ومخلفاتها تركت آثارًا عميقة ما تزال حاضرة في مجالات متعددة، من بينها الوصول إلى الأراضي والوظائف والفرص الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، يرى أن معالجة هذه الاختلالات ليست منّة ولا امتيازًا، وإنما هي جزء من تحقيق العدالة والمساواة الفعلية.
غير أن النقطة الأهم في موقفه تتمثل في رفض تحويل معالجة هذه المظالم إلى نظام دائم للمحاصصة المجتمعية. فهناك، بحسب هذا التصور، فرق واضح بين اعتماد سياسات عمومية تستهدف اختلالات مثبتة موضوعيًا، وتمنح الأولوية للفئات والمناطق الأكثر تضررًا، وبين تأسيس نظام سياسي ومؤسسي يقوم على توزيع المناصب والموارد والمسؤوليات بحسب الانتماء إلى مكوّن اجتماعي معين.
وهنا تبرز الفكرة المركزية في الرد: العدالة لا تعني المحاصصة، والمواطنة لا تعني الخصخصة المجتمعية للدولة. فالدولة، في جوهرها، يجب أن تكون ملكًا لجميع مواطنيها، وأن تضمن لكل فرد حقوقه على أساس المواطنة والقانون، لا على أساس انتمائه الاجتماعي.
ومن ثم، فإن معالجة التمييز لا ينبغي أن تؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسامات نفسها داخل مؤسسات الدولة، بل يجب أن تكون وسيلة للانتقال التدريجي نحو مجتمع تتراجع فيه أهمية الانتماءات الموروثة لصالح الانتماء الوطني الجامع.
ومن هذه الزاوية، فإن السياسات الإيجابية التي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة يمكن أن تكون أداة لتحقيق المساواة الفعلية، شريطة أن تقوم على معايير موضوعية وشفافة وقابلة للتقييم، وأن تكون مرتبطة بالحاجة والاستحقاق ومؤشرات الحرمان، لا بمجرد الانتماء المجتمعي.
فإذا كان مواطن ما يعيش في منطقة محرومة من التعليم أو الصحة أو البنية التحتية، فإن من واجب الدولة أن تتدخل لمعالجة هذا الحرمان. وإذا كانت فئة معينة تعاني من آثار تاريخية موثقة، فمن حقها أن تستفيد من سياسات تصحيحية تعالج تلك الاختلالات.
لكن الهدف النهائي يجب أن يكون إزالة أسباب التفاوت، وليس تحويلها إلى حصص دائمة داخل الدولة.
وهنا تكمن أهمية مفهوم المواطنة المتساوية. فالمواطن لا ينبغي أن يحتاج إلى أن يقدم نفسه باعتباره ممثلًا لمكوّنه حتى يحصل على حقه، كما لا ينبغي أن تكون الوظيفة العامة أو المسؤولية السياسية نتيجة تفاوض بين المكونات حول حصة كل منها.
إن دولة القانون تقوم على أن يكون الوصول إلى الوظيفة العمومية والقضاء والقوات المسلحة والأمن والدبلوماسية ومختلف مواقع المسؤولية متاحًا لجميع المواطنين وفق معايير الكفاءة والاستحقاق والشفافية، مع وجود آليات فعالة لمنع التمييز وتصحيح الاختلالات.
وفي المقابل، فإن تجاهل المظالم التاريخية أو التقليل من آثارها لا يمكن أن يؤدي إلى بناء مواطنة حقيقية.
فالمساواة لا تعني أن نتجاهل الفوارق الموجودة في الواقع، وإنما تعني أن تعمل الدولة على معالجتها حتى لا تتحول إلى قدر دائم ينتقل من جيل إلى آخر.
ومن هنا، يمكن فهم موقف بيرام باعتباره محاولة للجمع بين أمرين: الاعتراف بالمظالم التاريخية وتصحيح آثارها من جهة، والحفاظ على وحدة الدولة ومبدأ المواطنة من جهة أخرى. فالمطلوب، وفق هذا التصور، ليس إنكار هوية شريحة أو تجاهل معاناتها، وإنما ضمان حقوقها وتمكينها من الفرص نفسها التي يتمتع بها جميع المواطنين، دون تحويل انتمائها إلى إطار دائم يحدد مستقبلها.
إن التحدي الحقيقي أمام موريتانيا اليوم هو الانتقال من مرحلة التعايش بين المكونات إلى مرحلة المواطنة المشتركة. وهذا الانتقال لا يتحقق بإنكار التنوع ولا بتكريس المحاصصة، وإنما ببناء دولة يشعر فيها كل مواطن بأن حقوقه مضمونة، وأن فرصه لا تتحدد بأصله أو لونه أو انتمائه الاجتماعي. فالعدالة لا ينبغي أن تكون منافسة بين المكونات، والمظالم لا ينبغي أن تتنافس فيما بينها. وإنصاف شريح معينة لا يعني ظلم غيرها، ومعالجة “الإرث الإنساني” لا تعني تجاهل معاناة الآخرين، ومحاربة الفقر والتهميش يجب أن تشمل كل مواطن يحتاج إلى حماية الدولة ورعايتها.
وفي النهاية، فإن جوهر القضية ليس في أن تكون الدولة موزعة بين مكونات، وإنما في أن تكون الدولة ضامنة لحقوق المواطنين جميعًا. فالمطلوب هو تصحيح الاختلالات دون تكريسها، وجبر المظالم دون تحويلها إلى محاصصة دائمة، وتحقيق العدالة دون تحويل المجتمع إلى كيانات متنافسة على الدولة.
موريتانيا التي نحتاج إلى بنائها هي موريتانيا المواطنة، حيث يكون الانتماء إلى الوطن هو الإطار الجامع، وتكون الكفاءة والاستحقاق أساس تحمل المسؤولية، وتكون العدالة وسيلة لتجاوز المظالم لا لتثبيت الانقسامات. فالمواطنة لا تُجزّأ، والدولة لا تُخصّص، والحقوق لا ينبغي أن تكون حكرًا على مكوّن دون آخر.







