بين الإنصاف والاستغراب.. قراءة في بيان بيرام الداه اعبيد الأخير

تمثل الموضوعية قيمةً عليا في العمل السياسي والفكري، وهي تقتضي أن تُقيَّم المواقف بما تتضمنه من أفكار، لا بما نحمله تجاه أصحابها من اتفاق أو اختلاف. ومن هذا المنطلق، فإن بيان السيد بيرام الداه اعبيد الأخير بشأن العريضة الموقعة من 242 شخصية موريتانية يستحق التوقف عنده، لما تضمنه من قدر ملحوظ من الاتزان والطرح الوطني، وهو ما يدعو إلى التقدير، كما يدعو في الوقت نفسه إلى شيء من الاستغراب الإيجابي.
لقد وجدت في هذا البيان مستوى من الموضوعية لم نألفه كثيرًا في خطابات بيرام السابقة، إذ تجاوز إلى حد بعيد لغة الاستقطاب، واقترب من منطق الدولة والمواطنة الجامعة.
فقد أقر البيان بوضوح بأن العبودية ومخلفاتها حقيقة تاريخية لا يجوز إنكارها أو التقليل من آثارها، وأن معالجة تداعياتها واجب وطني وأخلاقي وسياسي. وفي المقابل، رفض أن يكون علاج تلك المظالم مدخلًا إلى إعادة تنظيم الدولة على أساس الانتماءات المجتمعية أو المحاصصة بين المكونات، وهو تمييز مهم بين جبر الضرر وبين تكريس الانقسام.
كما يُحسب للبيان تأكيده أن العدالة الاجتماعية لا ينبغي أن تُختزل في مكون بعينه، وأن الفقر والتهميش والإقصاء والحرمان من الفرص تمس مواطنين من مختلف مكونات المجتمع الموريتاني، وهو ما يجعل مسؤولية الدولة هي وضع سياسات عادلة وشفافة تعالج الاختلالات حيثما وجدت، دون تمييز أو انتقائية.
ومن الجوانب الإيجابية أيضًا اعتراف البيان بضرورة معالجة ملف “الإرث الإنساني” بروح وطنية عادلة، باعتباره جزءًا من ذاكرة الوطن وآلامه، بما يضمن الإنصاف للضحايا، ويؤسس لمصالحة وطنية حقيقية تقوم على الاعتراف والعدالة وعدم تكرار المآسي.
ولعل أهم ما يلفت الانتباه في هذا البيان هو دفاعه الصريح عن دولة المواطنة، التي يكون معيارها القانون والكفاءة والاستحقاق، لا الانتماء الفئوي أو العرقي، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة اتخاذ إجراءات فعالة لتصحيح الاختلالات التاريخية وتحقيق المساواة الفعلية بين المواطنين.
ومع ذلك، فإن القراءة الموضوعية تقتضي الإشارة إلى أن قيمة هذا البيان لن تُقاس بجمال عباراته، وإنما بمدى انعكاس مضامينه على المواقف والممارسات السياسية في المستقبل. فالمراجعات الفكرية الحقيقية تثبتها الأفعال أكثر مما تثبتها البيانات.
وفي جميع الأحوال، فإن الإنصاف يقتضي الترحيب بهذا المستوى من الخطاب، لأنه يفتح الباب أمام نقاش وطني أكثر هدوءًا ورشدًا، ويؤكد أن معالجة ملفات العبودية ومخلفاتها، و”الإرث الإنساني”، والعدالة الاجتماعية، يجب أن تكون مدخلًا لتعزيز الوحدة الوطنية، لا وسيلة لتعميق الانقسامات.
إن موريتانيا أحوج ما تكون اليوم إلى خطاب يعترف بالمظالم التاريخية، ويسعى إلى جبرها، ويؤمن بأن المواطنة المتساوية هي الإطار الجامع لكل الموريتانيين، وأن العدالة الحقيقية لا تُبنى على المحاصصة، وإنما على سيادة القانون، وتكافؤ الفرص، وصون كرامة الإنسان.
وإذا كان هذا البيان يمثل بالفعل مراجعة جادة في الخطاب السياسي، فإنه يستحق الإشادة والتشجيع، لأن الوطن لا يكسب شيئًا من استمرار الاستقطاب، لكنه يكسب كثيرًا عندما يلتقي أبناؤه على مبادئ العدالة، والمواطنة، والوحدة الوطنية.
سيدي محمد ولد اخليفه







