تعليق نقدي على مقال: “نحن أمازيغ موريتانيا”

الأخ مولاي الحسن،
يُحسب لكم أنكم فتحتم نقاشًا حول مكوّن تاريخي وثقافي مهم في موريتانيا والمغرب العربي، غير أن الإشكال في المقال يتمثل في تقديم الهوية من زاوية عرقية صلبة، وكأن تاريخ هذه البلاد قام على صراع الأعراق لا على التفاعل الحضاري والتداخل الإنساني الذي صنع شخصية المجتمع الموريتاني عبر القرون.
ففكرة أن القبائل العربية الوافدة كانت مجرد “استعمار” هدفه طمس الهوية الأمازيغية تبدو قراءة متأثرة بإسقاطات سياسية حديثة أكثر من اعتمادها على طبيعة الواقع التاريخي للمنطقة. ذلك أن المجال الصحراوي لم يعرف استعمارًا استيطانيًا بالمعنى المعروف، بل عرف موجات تفاعل وهجرات وتحالفات واندماجًا اجتماعيًا وثقافيًا متبادلاً، أسهمت جميعها في بناء مجتمع جديد تشكلت هويته داخل الإطار العربي الإسلامي الإفريقي.
كما أن اللغة العربية والثقافة الإسلامية في غرب إفريقيا لم تكن نتاج العرب وحدهم، بل ساهمت في نشرها وترسيخها شعوب وقبائل إفريقية مسلمة لعبت أدوارًا محورية عبر طرق التجارة ورحلات الحج والمحاظر ومراكز العلم. فقد كان لقبائل الفلان والسوننكي وغيرهما دور كبير في حمل الثقافة العربية الإسلامية إلى عمق القارة الإفريقية، من خلال القوافل التجارية والبعثات العلمية ورحلات الحج والعمرةنحو الحجاز، وهو ما يؤكد أن الحضارة الإسلامية في هذه المنطقة كانت ثمرة مساهمة جماعية لمختلف المكونات، لا ملكًا لعرق بعينه.
ثم أن الاختلاط الاجتماعي في موريتانيا لم يقتصر على العرب والصنهاجيين فقط، بل شمل كذلك المكونات الإفريقية السوداء، عبر قرون طويلة من التعايش والمصاهرة والتفاعل الثقافي. ولذلك نجد اليوم مجموعات ذات أصول حسانية أو مغفرية سوداء البشرة، كما نجد في المقابل مجموعات من أصول إفريقية تحمل الثقافة العربية واللسان العربي والانتماء الحضاري نفسه. وهذا الواقع الاجتماعي وحده كافٍ لإثبات أن المجتمع الموريتاني لا يمكن اختزاله في تصنيفات عرقية جامدة.
كما أن كثيرًا من القبائل التي تُصنف اليوم ضمن الفلان والأمازيغ ظلت رواياتها التاريخية وأنسابها تربطها بأصول عربية قديمة، خاصة الامتداد الحميري واليماني، وهو ما يجعل المسألة أكثر تعقيدًا من الطرح القائم على الفصل الحاد بين “العربي” و”الأمازيغي”. فالصنهاجيون أنفسهم لم يكونوا كيانًا عرقيًا مغلقًا، بل إطارًا اجتماعيًا وحضاريًا واسعًا عرف تداخلاً كبيرًا مع مختلف المكونات.
إن قوة موريتانيا التاريخية لم تكن في النقاء العرقي، بل في قدرتها على إنتاج نموذج حضاري قائم على الإسلام والعربية والتعايش الإفريقي، حيث التقت المحظرة بالصحراء والقافلة التجارية والزوايا العلمية لتشكّل فضاءً ثقافيًا واحدًا تجاوز حدود العرق واللون. ولذلك فإن الهوية الموريتانية في جوهرها ليست هوية عرقية ضيقة، بل هوية شعب واحد عربي مسلم إفريقي، تشكل عبر قرون من الامتزاج الحضاري والتفاعل الإنساني المشترك.
سيدي محمد ولد اخليفه







