مقالات وآراء

مأزق خطاب المحاصصة

بقلم: أحمد محمد حماده

في كل مرحلة تمر بها الأمم بأزمات سياسية أو اجتماعية، ترتفع أصوات تسعى إلى تفسير الخلل القائم وتقديم تصورات للخروج منه. وذلك أمر طبيعي بل وصحي، لأن المجتمعات الحية لا تتقدم إلا بالنقاش والاختلاف وإعادة التفكير في مساراتها. غير أن الإشكال يبدأ حين يغادر النقاش سؤال بناء دولة المواطنة، ليتحول إلى إعادة تعريف المجتمع باعتباره مجموعة حصص وأرقام وانتماءات متقابلة، لكل منها نصيب ينبغي اقتطاعه من مؤسسات الدولة ومراكز القرار.

وقد جاء هذا المقال بعد أن طالعت تدوينة لأحد الأطر الذين عرفتهم يومًا مدافعين عن قيم المواطنة الجامعة والخطاب الوطني العابر للانتماءات الضيقة، فإذا بي أجد خطابًا مختلفًا يستند إلى منطق المحاصصة والتقسيم الشرائحي، ويقدم أرقامًا وإحصاءات باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل النقاش، دون الإشارة إلى مصادرها أو منهجية جمعها أو الجهات التي أصدرتها. وليس الإشكال في إثارة أسئلة حول التهميش أو اختلالات التمثيل، فذلك حق مشروع بل ضرورة وطنية، وإنما الإشكال في بناء استنتاجات كبرى على معطيات غير موثقة؛ لأن القضايا المرتبطة بالوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية لا تحتمل الانطباعات، بل تحتاج إلى أرقام دقيقة ومصادر واضحة حتى لا يتحول النقاش من البحث عن حلول إلى صناعة قناعات قائمة على التصور أكثر من الواقع.

في السنوات الأخيرة تصاعدت في موريتانيا خطابات تقوم على منطق “الشرائح” و”المكونات”، وأصبح الحديث عن المناصب والتمثيل يُقاس أحيانًا بمعيار الانتماء الاجتماعي أكثر من معايير الكفاءة أو البرامج أو الرؤية الوطنية. وتحولت لغة الأرقام والنسب لدى بعض الفاعلين إلى أداة لإثبات المظلومية أو تبرير مطالب سياسية واجتماعية جديدة.

ومن الإشكالات التي تُضعف الخطاب الشرائحي أيضًا اختزال الهوية الاجتماعية في اللون أو المظهر، وكأن الانتماء يمكن قياسه بدرجة لون البشرة أو بعض السمات الشكلية. فاللون وحده لم يكن يومًا معيارًا دقيقًا للانتماء داخل المجتمع الموريتاني، ولا دليلًا كافيًا للفصل بين الناس أو تصنيفهم.

فالبيظان ولحراطين عاشوا عبر التاريخ داخل فضاء اجتماعي وثقافي وإنساني متداخل، جمعتهم اللغة والدين والعادات وامتدادات اجتماعية كثيرة، ولا يمكن اختزال العلاقة بينهم في قراءة مبسطة أو تصنيف جامد.

بل إن الواقع نفسه يكشف أن داخل كل مكون تنوعًا بشريًا ولونيًا واضحًا؛ ففي كل فئة أطياف متعددة ودرجات مختلفة، ما يجعل اختزال المجتمع في ثنائيات حادة قراءة لا تعكس تعقيد المجتمع الموريتاني ولا حقيقة تركيبته الإنسانية. فالأوطان لا تُدار بمنطق الفرز الاجتماعي، وإنما بمنطق المواطنة الجامعة.

لا خلاف على أن البلاد عرفت اختلالات تاريخية وتفاوتات اجتماعية حقيقية، وأن فئات ومناطق عديدة عانت من التهميش وضعف فرص الولوج إلى النفوذ والتعليم والاقتصاد. كما لا ينبغي إنكار وجود مظالم تحتاج إلى معالجة جادة ومسؤولة. لكن السؤال الأهم يبقى: هل يكون العلاج بتكريس منطق الشرائح أم بتجاوزه؟

حين يصبح المواطن ممثلًا لشريحته قبل أن يكون مواطنًا، ويُنظر إلى الوزير أو النائب أو المسؤول باعتباره ممثلًا لفئة اجتماعية لا حاملًا لمشروع وطني، نكون قد انتقلنا من مشروع بناء الدولة إلى إعادة إنتاج البنية التقليدية داخل مؤسسات يفترض أنها حديثة.

إن خطاب المحاصصة، حتى حين ينطلق من نوايا حسنة، يحمل في داخله مخاطر عميقة؛ لأنه يعيد تعريف المجتمع باعتباره جماعات متنافسة على النفوذ، ويزرع شعورًا دائمًا بأن الحقوق تُنتزع بالوزن العددي والضغط الاجتماعي، لا بالكفاءة والقانون والعدالة. والأسوأ من ذلك أنه يدفع الأجيال القادمة إلى النظر للوطن باعتباره سوقًا لتوزيع الحصص، لا فضاءً جامعًا للمواطنة والانتماء المشترك.

لقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن الدول التي استسلمت لمنطق المحاصصة تحولت تدريجيًا إلى ساحات تجاذب دائم بين الهويات الفرعية، حيث أصبح الانتماء مفتاح الوصول، وغدت الدولة نفسها رهينة توازنات هشة تتغير مع كل أزمة.
إن المطلوب ليس تجاهل التفاوتات أو إنكار المشاكل، بل بناء سياسات إنصاف حقيقية تقوم على العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتطوير التعليم، ومحاربة الفقر، وفتح المجال أمام الكفاءات من مختلف البيئات والفئات؛ فالفقر لا يملك شريحة واحدة، والتهميش لا يحمل لونًا اجتماعيًا واحدًا.

إن موريتانيا اليوم بحاجة إلى خطاب يوحد لا يجزئ، يبني الجسور لا المتاريس، ويؤسس لدولة يشعر فيها الجميع أنهم شركاء في الوطن لا متنافسون على إرث مغلق.
فالأوطان لا تُبنى بالحصص، وإنما تُبنى بالمواطنة.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى