مقالات وآراء

السنغال بين ثنائية السلطة وإعادة ترتيب المشهد السياسي… ماذا تعني إقالة عثمان سونكو؟

بقلم: أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي

شكّل قرار الرئيس باسيرو ديوماي فاي بإقالة الوزير الأول عثمان سونكو وحل الحكومة حدثًا سياسيًا بارزًا في السنغال، ليس فقط لكونه يتعلق بأعلى هرم السلطة التنفيذية، بل لأنه يطال واحدة من أكثر التجارب السياسية خصوصية في غرب إفريقيا خلال السنوات الأخيرة.
فالرجلان وصلا إلى الحكم في سياق استثنائي، بعد مرحلة من الاحتقان السياسي والتوترات الداخلية التي عاشتها البلاد، وتم تقديمهما آنذاك بوصفهما وجهين لمشروع سياسي واحد يقوم على التغيير والإصلاح ومحاربة الفساد وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. غير أن التجارب السياسية كثيرًا ما تكشف أن التحالفات التي تنجح في إسقاط مرحلة قد لا تنجح بالضرورة في إدارة مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا.
ومنذ وصول السلطة الجديدة، بدأت مؤشرات التباين تظهر تدريجيًا بين مؤسسة الرئاسة ورئاسة الحكومة، سواء في طريقة إدارة الملفات الاقتصادية أو في أسلوب التعاطي مع القضايا الداخلية والخارجية. فبينما بدا الرئيس باسيرو ديوماي فاي أكثر ميلاً إلى اعتماد مقاربة مؤسساتية هادئة تراعي التوازنات الداخلية والإقليمية، ظل عثمان سونكو محافظًا على خطابه السياسي الحاد والشعبوي الذي صنع شعبيته في المعارضة.
هذا الاختلاف لم يكن مجرد تباين في الأسلوب، بل تحوّل مع مرور الوقت إلى ازدواجية داخل السلطة التنفيذية، حيث بدأت مراكز التأثير تتوزع بين الرئاسة ورئاسة الحكومة، الأمر الذي خلق حالة من الضبابية بشأن مركز القرار الحقيقي داخل الدولة. وفي الأنظمة السياسية الحديثة، خصوصًا في الدول التي تمر بمرحلة انتقال سياسي أو إصلاحات عميقة، غالبًا ما تتحول هذه الازدواجية إلى مصدر توتر يهدد تماسك السلطة نفسها.
وتأتي الإقالة أيضًا في توقيت اقتصادي واجتماعي حساس، إذ تواجه السنغال تحديات متزايدة تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة وانتظارات الشارع الكبيرة من السلطة الجديدة. كما أن الحكومة كانت مطالبة بتحقيق نتائج سريعة في ملفات الإصلاح والحوكمة وتحسين الظروف المعيشية، وهي رهانات صعبة تحتاج إلى انسجام كامل داخل هرم السلطة.
ويرى كثير من المراقبين أن الرئيس السنغالي أراد من خلال هذا القرار إعادة تركيز السلطة التنفيذية داخل مؤسسة الرئاسة، ووضع حد لأي ازدواجية قد تعرقل عملية اتخاذ القرار أو تؤثر على صورة الدولة واستقرار مؤسساتها. كما يمكن فهم الخطوة باعتبارها محاولة لفرض إيقاع سياسي جديد يقوم على الانضباط الحكومي والوضوح في توزيع الصلاحيات.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل الوزن الشعبي والسياسي الذي يتمتع به عثمان سونكو داخل الشارع السنغالي، إذ لا يزال يمثل بالنسبة لقطاع واسع من الشباب والنخب رمزًا للخطاب التغييري الراديكالي. وهو ما يجعل من إبعاده عن رئاسة الحكومة خطوة تحمل في طياتها احتمالات متعددة، قد تتراوح بين إعادة ترتيب التحالف الحاكم بشكل أكثر تماسكًا، أو بداية مرحلة من التنافس الصامت داخل معسكر السلطة نفسه.
ورغم خروجه من رئاسة الحكومة، لا يبدو أن عثمان سونكو مرشح للتواري عن المشهد السياسي في السنغال، بل قد تمنحه الإقالة مساحة جديدة لإعادة التموضع وتعزيز حضوره الشعبي خارج قيود العمل الحكومي. فسُونكو لا يُنظر إليه باعتباره مجرد مسؤول تنفيذي سابق، وإنما كزعيم سياسي يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، خصوصًا في أوساط الشباب والتيارات المطالبة بالتغيير الجذري. ومن المرجح أن يسعى خلال المرحلة المقبلة إلى الحفاظ على تأثيره داخل المشهد الوطني، سواء عبر إعادة تنشيط خطابه السياسي أو من خلال لعب دور “الرقم الصعب” داخل معسكر السلطة ذاته. كما أن مستقبله السياسي سيظل مرتبطًا بقدرته على تحويل شعبيته إلى قوة تنظيمية مستدامة، وبطبيعة العلاقة التي ستتحدد لاحقًا بينه وبين الرئيس باسيرو ديوماي فاي، هل ستبقى ضمن إطار التحالف الحذر، أم ستتجه تدريجيًا نحو تنافس سياسي مفتوح قد يعيد تشكيل الحياة السياسية السنغالية بأكملها.
كما تطرح هذه التطورات تساؤلات أوسع حول طبيعة العلاقة بين الزعامة الشعبية والسلطة المؤسساتية في التجارب الديمقراطية الإفريقية الحديثة. فكثيرًا ما تنشأ الخلافات بعد الوصول إلى الحكم بين منطق الدولة الذي يفرض البراغماتية والتدرج، ومنطق المعارضة الذي يقوم على الخطاب التعبوي والسقف المرتفع من الوعود والتوقعات.
وفي جميع الأحوال، تبدو السنغال اليوم أمام مرحلة سياسية جديدة قد تعيد رسم التوازنات داخل السلطة، وتحدد مستقبل التجربة التي تابعها الأفارقة باهتمام كبير باعتبارها نموذجًا لصعود جيل سياسي جديد إلى الحكم عبر المسار الديمقراطي.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح الرئاسة السنغالية في تحويل هذه الخطوة إلى فرصة لتعزيز الاستقرار وفعالية الحكم، أم أن إقالة شخصية بحجم عثمان سونكو ستفتح الباب أمام تصدعات سياسية قد تؤثر على تماسك المشروع الذي أوصل السلطة الحالية إلى الحكم؟

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى