الرق والمظالم الاجتماعية في موريتانيا: بين المعالجة الوطنية والتوظيف الفئوي

يعدّ موضوع الرق والمظالم الاجتماعية من أكثر القضايا حساسية في موريتانيا، غير أن مقاربة هذا الملف كثيرًا ما وقعت في الاختزال، حين جرى تصوير العبودية وكأنها ظاهرة خاصة بمجتمع البيظان وحده، أو كأنها ارتبطت بقومية واحدة دون غيرها، بينما تؤكد القراءة التاريخية والاجتماعية الأوسع أن أنماط التراتب الاجتماعي والتبعية والرق التقليدي وُجدت بدرجات وصيغ مختلفة داخل مختلف المكونات الموريتانية:( العرب والفلان والولف والسونكى )كم عرفتها مجتمعات كثيرة في إفريقيا والعالم عبر قرون طويلة.
فقد عرفت بعض الأوساط العربية أنماطًا من الرق التقليدي، كما عرفت مجتمعات الفلان والسوننكي والولف وغيرها أشكالًا من التراتب الاجتماعي والتبعية المرتبطة بالحروب القديمة أو بالبنية الاقتصادية والاجتماعية التقليدية. كما أن المظالم الاجتماعية لم تقتصر على فئة واحدة، بل شملت فئات متعددة عانت التهميش والحرمان وضعف فرص التعليم والتنمية.
غير أن الإشكال الحقيقي بدأ حين جرى تحويل هذا الملف من قضية وطنية جامعة إلى خطاب فئوي ضيق، يُحمّل مكونًا اجتماعيًا بعينه مسؤولية تاريخية جماعية، ويقدّم المسألة وكأنها صراع دائم بين “جلاد” و“ضحية” داخل إطار عرقي محدد. وقد أدى هذا الطرح، في كثير من الأحيان، إلى تغذية الانقسام الاجتماعي بدل الإسهام في بناء مصالحة وطنية حقيقية.
وفي هذا السياق، برز التيار الناصري في موريتانيا منذ بداية السبعينيات بوصفه من أوائل التيارات السياسية والفكرية التي رفعت شعار العدالة الاجتماعية ورفضت البنية الطبقية التقليدية داخل المجتمع. فقد انطلق الناصريون من رؤية قومية تعتبر أن المجتمع يجب أن يقوم على المواطنة والمساواة، لا على الانتماء الفئوي أو الطبقي، ولذلك رفضوا التقسيم الهرمي الذي كان سائداً داخل بعض البنى الاجتماعية التقليدية، مثل تصنيفات: “أزناگ”، و“المعلمين”، و“لحراطين”، وغيرها من التصنيفات التي كرّست الفوارق الاجتماعية والمعنوية بين أبناء المجتمع الواحد.
ولم يكن موقف الناصريين من قضية الرق مجرد خطاب سياسي، بل ارتبط بمشروع اجتماعي متكامل يهدف إلى إزالة الفوارق المادية والمعنوية من خلال تعميم التعليم، وتحقيق العدالة في توزيع الثروة الوطنية، وفتح المجال أمام الفئات المهمشة للمشاركة في الحياة العامة، باعتبار أن القضاء على آثار الرق لا يتحقق بالشعارات أو بإعادة إنتاج الانقسامات، وإنما ببناء مجتمع تتكافأ فيه الفرص بين جميع المواطنين.
ومن هذا المنطلق، رفض الناصريون الاستمرار في استعمال بعض التسميات المرتبطة بتاريخ الرق، معتبرين أن الإبقاء عليها يمثل احتفاظًا بأثر من آثار الماضي الذي ينبغي تجاوزه. ولذلك كانوا يفضلون توصيف من يُطلق عليهم تاريخيًا اسم “لحراطين” باعتبارهم جزءًا أصيلًا من المكون العربي الموريتاني، إسم “العرب السمر” تأكيدًا على وحدة الانتماء الحضاري والثقافي، ورفضًا لأي تصنيف يعيد إنتاج الفوارق القديمة أو يكرّس نظرة اجتماعية تمييزية.
غير أن معالجة آثار الرق والمظالم الاجتماعية ينبغي أن تبقى ضمن إطار وطني شامل، لا أن تتحول إلى وسيلة للاستثمار السياسي أو المادي، حيث يسعى بعض الفاعلين إلى تقديم القضية باعتبارها صراعًا دائمًا بين مكونات المجتمع، أو باعتبار أن كل الأنظمة والدولة مطالبة بمنح امتيازات خاصة لفئة بعينها خارج إطار العدالة الوطنية العامة. فمثل هذا الطرح قد ينقل القضية من بعدها الحقوقي والإنساني إلى مجال التنافس السياسي والشرائحي، ويحوّل معاناة الماضي إلى أداة لإدامة الانقسام بدل تجاوزه.
إن بناء موريتانيا مستقرة ومتماسكة يقتضي الاعتراف بالمظالم التاريخية ومعالجتها بروح وطنية جامعة، بعيدًا عن منطق الاتهام الجماعي أو الاستثمار الفئوي، والعمل على ترسيخ دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، دون إقصاء أو تمييز أو إعادة إنتاج لمخلفات الماضي بأسماء جديدة.
سيدي محمد ولد اخليفه







