أخبار وطنية

التراد ولد سيدي.. رحيل أحد شهود التأسيس السياسي للحركة الوطنية الموريتانية

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

نواكشوط – التواصل

توفي فجر السبت الكاتب والسياسي الموريتاني التراد ولد سيدي، بعد مسيرة طويلة في العمل السياسي والفكري والصحفي، امتدت على مدى أكثر من خمسة عقود، شهد خلالها محطات مهمة من تاريخ الحركة الوطنية الموريتانية، وترك رصيداً من المقالات والشهادات التي تناولت قضايا السياسة والهوية والعدالة الاجتماعية والتحولات الوطنية والدولية.
ويُعد الراحل من الشخصيات التي عاصرت مرحلة تشكل التيارات القومية والتقدمية في موريتانيا، وكان من الفاعلين في إعادة تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي سنة 1977، حيث تولى مسؤولية أمين سر تنظيمه في موريتانيا، وفق ما أورده في شهاداته المنشورة عن تلك المرحلة.

من النشاط القومي إلى التجربة البعثية

بدأت علاقة التراد ولد سيدي بالعمل السياسي في أواخر الستينيات، وتعمقت علاقته بالقيادات القومية خلال مطلع السبعينيات، خصوصاً محمد يحظيه ولد ابريد الليل، الذي تحدث عنه بإسهاب في شهادة نشرها سنة 2024 بعنوان «رحلتي مع الرفيق محمد يحظيه ولد ابريد الليل».
وتكشف هذه الشهادة عن علاقة سياسية وفكرية امتدت منذ نوفمبر 1970، وشهدت محطات من العمل التنظيمي المشترك، وإعادة بناء حزب البعث سنة 1977، والخلافات التي عرفها التنظيم مع قيادته القومية، فضلاً عن مراحل الاعتقال وما تلاها.
وكان الراحل من المعارضين لحرب الصحراء منذ بدايتها، كما تحدث عن موقفه الرافض لاتفاقية مدريد ودخول القوات الموريتانية إلى الصحراء، معتبراً أن الحرب بين الأشقاء كانت من العوامل التي دفعت إلى استئناف النشاط السياسي والتنظيمي في تلك المرحلة.
كما تولى مسؤولية أمانة سر التنظيم البعثي في موريتانيا، وهو الموقع الذي كان يشغله عند وقوع انقلاب 10 يوليو 1978 الذي أطاح بالرئيس المختار ولد داداه.

الاعتقال والخلافات التنظيمية

شكلت مرحلة الثمانينيات محطة أخرى في مسيرته، إذ تعرض للاعتقال سنة 1981، ضمن مجموعة من البعثيين، في عهد الرئيس محمد خونا ولد هيدالة.
وفي شهاداته اللاحقة، قدم روايته الخاصة لظروف اعتقاله، رابطاً ذلك بخلافات حول محاولات إدخال عناصر عسكرية إلى التنظيم، كما تناول الخلافات التي نشأت بينه وبين القيادة القومية، والتي انتهت بابتعاده عن العمل الحزبي سنة 1989.
ولم يخف الراحل في كتاباته اللاحقة تحفظاته على بعض ممارسات التنظيمات التي انتمى إليها، كما تحدث بصراحة عن إخفاقات التجربة القومية والبعثية، وعن خلافاته مع بعض رفاقه السابقين، مع احتفاظه بعلاقات شخصية وسياسية مع عدد منهم.

شهادات للتاريخ عن مرحلة مفصلية

في مايو 2026، نشر الراحل التراد ولد سيدي سلسلة من الشهادات تحت عنوان «شهادة للتاريخ»، تناول فيها دور البعثيين في انقلاب 10 يوليو 1978، ومحاولة 16 مارس 1981.
وقدم في هذه الشهادات روايته بشأن طبيعة العلاقة بين التنظيم البعثي والأحداث السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد، مستعرضاً ظروف إعادة بناء الحزب سنة 1977، واتساع نشاطه في الأوساط الطلابية والعمالية والعسكرية، والخلافات التي رافقت مسيرته.
كما كشف عن تفاصيل من علاقاته بالقيادة القومية في بغداد، واللقاءات التي جمعته بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والخلافات الفكرية والتنظيمية التي دفعته إلى رفض الاستقرار في العراق والعودة إلى موريتانيا.
وتكتسب هذه الشهادات أهمية باعتبارها رواية شخصية لأحد الفاعلين في تلك المرحلة.

من التجربة السياسية إلى الكتابة النقدية

بعد ابتعاده عن العمل الحزبي المباشر، واصل الراحل اهتمامه بالشأن العام من خلال الكتابة، متناولاً قضايا الدولة والمجتمع والهوية الوطنية والفساد والعدالة الاجتماعية.
وكانت قضية الرق ومخلفاته الاجتماعية من أبرز الموضوعات التي شغلت اهتمامه، حيث دعا في مقالات متعددة إلى تجاوز المعالجة القانونية للظاهرة نحو معالجة آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص.
كما انتقد ما اعتبره تراجعاً في الوعي الوطني وعودة للانتماءات القبلية والجهوية والفئوية، مستحضراً مرحلة أواخر الستينيات والسبعينيات التي رأى أنها شهدت حيوية فكرية وسياسية لدى الشباب والتيارات الوطنية والتقدمية.
وفي هذا السياق، نشر مقالاً بعنوان «لماذا تراجع الوعي وانطفأت شعلته؟»، تناول فيه التحولات التي عرفها المجتمع الموريتاني، وما اعتبره تراجعاً عن بعض المكتسبات الفكرية والاجتماعية التي تحققت في مرحلة سابقة.
كما دعا في مقال «لا شيء أكثر أهمية ولا أكثر أولوية من التغيير»، المنشور في يونيو 2026، إلى تجاوز الاكتفاء بتشخيص مظاهر الفساد نحو بناء مشروع سياسي واضح يستهدف إصلاح الدولة وتحسين أوضاع المواطنين.

انشغالات وطنية ومواقف من التطورات الدولية

لم تنحصر كتابات الراحل في استعادة التاريخ السياسي أو نقد الأوضاع الداخلية، بل ظل متابعاً للتطورات الوطنية والإقليمية والدولية، معبراً عن مواقفه من خلال مقالات رأي اتسمت في كثير منها بوضوح الموقف وحدّة النقد.
فعلى المستوى الوطني، تناول قضايا الفساد وأزمة النخب السياسية والثقافية والإعلامية، وضرورة امتلاك القوى السياسية رؤية واضحة للتغيير والحكم، كما اهتم بملفات المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان، خصوصاً ما تعرض له البعثيون من اعتقالات وتسريح من المؤسستين العسكرية والأمنية.
وفي مقاله «حديث في موضوعات تختلف في أحجامها»، المنشور في وكالة التواصل يوم 19 يونيو 2026، تناول مطالب معالجة المظالم التي تعرض لها موريتانيون في عهود سياسية سابقة، مركزاً على ملف البعثيين وما تعرضوا له من اعتقالات وتسريح من الجيش والأمن، وداعياً إلى ترتيب الأولويات في معالجة الإرث الإنساني وإرساء العدالة والإنصاف.
كما خصص مقالاً بعنوان «ممارسة السياسة بلا هدف مستحيلة»، نشرته وكالة التواصل في 10 يونيو 2026، لنقد الممارسة السياسية التي تفتقر إلى مشروع واضح للحكم، معتبراً أن النشاط السياسي لا يكتسب معناه إلا من خلال رؤية مستقبلية للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تسعى القوى السياسية إلى تحقيقه.
وفي مقال آخر بعنوان «إذا لم تفيدونا فأريحونا من وجودكم»، نشر في 17 يونيو 2026، وجه انتقادات حادة إلى النخب الثقافية والفكرية والإعلامية، متسائلاً عن حصيلة تأثيرها في معالجة الاختلالات التي يعاني منها المجتمع.
أما على المستوى الدولي، فقد احتلت القضية الفلسطينية والحرب على غزة والتطورات المرتبطة بإيران والسياسات الأمريكية والإسرائيلية مساحة بارزة في كتاباته.
وفي مقال نشرته وكالة التواصل يوم 28 مارس 2026 بعنوان «لم يبق لإيران سوى المقاومة خياراً»، عبر عن موقفه الداعم لإيران والمقاومة في مواجهة الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية، معتبراً أن الصمود والمقاومة يمثلان خيار المواجهة في ظل التطورات الإقليمية.
كما تناول في مقال «هذا هو عالمنا»، المنشور في يناير 2026، ما اعتبره تراجعاً في احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وانتقد المواقف الغربية من الحرب على غزة، وصمت عدد من الحكومات والقوى العربية إزاء ما تشهده المنطقة من حروب واعتداءات.
قلم ظل منشغلاً بقضايا الوطن والأمة
تكشف كتابات التراد ولد سيدي، في سنواته الأخيرة خصوصاً، عن استمرار اهتمامه بالشأن العام رغم ابتعاده عن العمل السياسي التنظيمي، حيث ظل يكتب عن الأوضاع الداخلية، وينتقد أداء النخب والسلطات، ويتابع التحولات الإقليمية والدولية، حتى في أوج معاناته مع المرض، ما يعكس اهتمامه العميق بالشأن العام.
كما اتسمت بعض كتاباته بمراجعة تجربته الشخصية والتنظيمية، وبمحاولة توثيق أحداث سياسية ظلت تفاصيلها محل خلاف وتباين في الروايات، وهو ما جعل شهاداته مصدراً مهماً للباحثين والمهتمين بتاريخ الحركة السياسية الموريتانية.
وبرحيله، تفقد الساحة الفكرية والإعلامية الموريتانية كاتباً جريئا صادقا، وصاحب تجربة سياسية طويلة، ترك وراءه رصيداً من المقالات والشهادات التي تعكس جانباً من تاريخ البلاد السياسي والاجتماعي، وتوثق مسيرة جيل انخرط في النقاشات الوطنية والقومية خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي.
رحم الله التراد ولد سيدي وأسكنه فسيح جناته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى