موريتانيا في مرآة المؤشرات.. بين إصلاحات حقوقية وتحديات الفقر والهشاشة والحريات

نواكشوط- التواصل
حين عرض رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان محمد محمود ولد داهي أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف جوانب من التجربة الموريتانية في مجال حقوق الإنسان، اختار التركيز على عدم المساواة، وتكافؤ الفرص، والتعليم، والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
ويقدم هذا الطرح مدخلاً مهماً لقراءة الوضع الحقوقي في موريتانيا بعيداً عن الاقتصار على القوانين والنصوص، إذ إن حقوق الإنسان لا تتعلق فقط بحرية التعبير والمشاركة السياسية، وإنما تشمل كذلك حق المواطن في التعليم والصحة والعمل والسكن والحماية الاجتماعية والعيش الكريم.
غير أن قراءة المؤشرات المتاحة تكشف في الوقت نفسه عن مسافة لا تزال قائمة بين السياسات والإصلاحات المعلنة وبين مستوى النتائج الاجتماعية والاقتصادية.
الفقر والهشاشة.. الوجه الأوسع لعدم المساواة
تظهر أحدث بيانات البنك الدولي تراجع معدل الفقر في موريتانيا إلى نحو 25.7% في 2025 وفق خط الفقر الدولي البالغ 4.20 دولارات يومياً وفق تعادل القوة الشرائية لعام 2021، مقابل 26.9% في 2024. كما انخفض عدد الفقراء بنحو 26 ألف شخص خلال تلك الفترة.
لكن المعدل الوطني يخفي تفاوتاً كبيراً بين المناطق؛ فقد بلغ الفقر في المدن نحو 11.6% مقابل 38.9% في المناطق الريفية عام 2025.
والأهم أن الفقر لا يختزل في الدخل. فبيانات البنك الدولي تشير إلى أن نحو 58% من السكان كانوا يعانون فقراً متعدد الأبعاد وفق المؤشرات المتاحة، أي حرماناً متزامناً من جوانب ترتبط بالتعليم والصحة والعمل وظروف المعيشة، مع ارتفاع النسبة في المناطق الريفية إلى نحو 77%.
وهنا تتضح أهمية محور عدم المساواة الذي اختاره ولد داهي في جنيف، فالتحدي ليس فقط إخراج المواطنين من الفقر النقدي، وإنما تقليص الفجوة في الفرص والخدمات بين من يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة.
«العبودية الأخرى».. الحاجة التي لا تسأل عن اللون أو الشريحة
في تناول ملف العبودية، تقتضي المهنية التمييز بين العبودية باعتبارها جريمة تاريخية وممارسة يحظرها القانون الموريتاني، وبين الفقر والهشاشة الاجتماعية باعتبارهما ظاهرة أوسع تشمل مواطنين من مختلف البيئات والمكونات.
كما ينبغي التعامل بحذر مع بعض التقديرات الدولية حول حجم «العبودية الحديثة» في موريتانيا، لأنها ليست إحصاءات سكانية رسمية، ولأن منهجيات جمع البيانات وتحديد الحالات محل نقاش وجدل.
ومن ثم، لا يبدو من المفيد اختزال المجتمع الموريتاني في ثنائية «ضحايا» و«مستفيدين» على أساس الانتماء العرقي أو الاجتماعي، كما لا يخدم ذلك فهم المشكلة الأوسع المتمثلة في الفقر وانعدام الموارد وضعف القدرة على الوصول إلى الفرص.
فالمواطن الذي لا يجد تعليماً جيداً لأبنائه، ولا عملاً مستقراً، ولا دخلاً كافياً، ولا سكناً لائقاً، ولا قدرة على تحمل تكاليف العلاج، يعيش بدوره شكلاً قاسياً من التبعية والحاجة.
ويمكن، في هذا السياق، استخدام تعبير «عبودية أخرى» على سبيل المجاز الصحفي، للدلالة على أسر الحاجة والفقر، لا باعتباره بديلاً عن التعريف القانوني للعبودية.
وهنا يجب النظر إلى المواطن أولاً باعتباره مواطناً يعاني من وضع اقتصادي واجتماعي معين، لا باعتباره عضواً في شريحة أو لون.
التعليم.. من حق الولوج إلى مشكلة جودة المخرجات
يحتل التعليم موقعاً مركزياً في مكافحة الفقر وعدم المساواة، ولذلك فإن إشارة رئيس اللجنة إلى برامج الكفالات والمطاعم المدرسية للفئات الأكثر هشاشة تكتسب أهمية خاصة.
لكن التحدي لا يتعلق فقط بإدخال الطفل إلى المدرسة، وإنما بقدرته على البقاء فيها وإكمال المراحل الدراسية والحصول على تعليم ذي جودة.
وتشير بيانات وتقارير البنك الدولي إلى وجود فجوات كبيرة في الانتقال بين المراحل التعليمية، وفي إكمال التعليم الثانوي، فضلاً عن استمرار مشكلة جودة التعلم.
وهذا يعني أن معالجة الفقر التعليمي تحتاج إلى ما هو أبعد من بناء المدارس أو زيادة أعداد المسجلين؛ فهي تحتاج إلى تحسين جودة التدريس، وتكوين المدرسين، والنقل والإطعام المدرسي، وتقليص التسرب، خصوصاً في المناطق الأقل استفادة من الخدمات.
وبذلك يصبح التعليم أحد أكثر المؤشرات دلالة على نجاح سياسة تكافؤ الفرص التي تحدث عنها ولد داهي في جنيف.
المرأة.. المشاركة السياسية لا تكفي
لا يمكن إنكار التطور الذي حققته المرأة الموريتانية في مجالات المشاركة السياسية والعامة، لكن حضور المرأة في المؤسسات لا يعني تلقائياً انتهاء الفجوة الاقتصادية والاجتماعية.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى استمرار فجوات في بعض المؤشرات المرتبطة بالمشاركة الاقتصادية للنساء، فيما تظهر استطلاعات اجتماعية استمرار مواقف محافظة تجاه أولوية الرجل في العمل.
وتكمن المسألة الأساسية في تحويل المساواة القانونية والسياسية إلى استقلال اقتصادي فعلي، وتعليم أفضل، وحماية من العنف، وقدرة أكبر على الوصول إلى سوق العمل والموارد.
وبذلك يصبح تمكين المرأة جزءاً من سياسة مكافحة الفقر، وليس ملفاً منفصلاً عنها.
الإعلام.. مكتسبات قانونية وهشاشة مهنية
وفي مجال حرية الصحافة، يمثل إلغاء تجريم المخالفات الصحفية عام 2011 تطوراً مهماً، وقد أتاح وجود بيئة إعلامية أكثر انفتاحاً من مراحل سابقة.
لكن القطاع الإعلامي يواجه مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن القيود القانونية، وهي الهشاشة الاقتصادية والمهنية.
ففي تصنيف مراسلون بلا حدود لعام 2026، جاءت موريتانيا في المرتبة 61 عالمياً من أصل 180 دولة، مقابل المرتبة 50 عام 2025، وتراجعت الدرجة من 67.52 إلى 63.36. وتضع المنظمة الهشاشة الاقتصادية للقطاع وتأخر بعض الإصلاحات ضمن عوامل تؤثر في وضع الصحافة.
وهنا ينبغي توسيع مفهوم حرية الصحافة ليشمل أيضاً قدرة المؤسسات الإعلامية على الاستمرار، واستقلالها المالي، وحماية الصحفي من الضغوط، والوصول إلى المعلومات.
الحريات السياسية والمدنية.. المساحة التي تحتاج إلى مزيد من التحصين
في المقابل، تقدم التقارير الدولية صورة أكثر انتقاداً عندما يتعلق الأمر بالحريات السياسية والمدنية.
فمنظمة Freedom House صنفت موريتانيا في تقريرها لعام 2026 باعتبارها «حرة جزئياً»، ومنحتها 38 نقطة من أصل 100، منها 15 نقطة للحقوق السياسية و23 للحريات المدنية.
وتشير المنظمة إلى أن الانتخابات الأخيرة كانت أكثر مصداقية نسبياً، لكنها تسجل في المقابل قيوداً على حرية التعبير، ومخاطر تواجه الصحفيين عند تناول القضايا الحساسة، ومخاوف بشأن استقلال القضاء وحرية بعض منظمات المجتمع المدني.
وهنا ينبغي أيضاً التعامل مع هذه التقارير باعتبارها مصادر تقييم خارجية لها منهجيتها الخاصة، وليس باعتبارها حكماً نهائياً على الواقع الموريتاني.
لكنها تظل مؤشرات تستحق النقاش، خصوصاً في ما يتعلق بحماية حرية التعبير، وضمان حق التجمع، واستقلال القضاء، وشفافية المؤسسات.
من القوانين إلى أثرها على المواطن
المفارقة الأساسية التي تكشفها هذه القراءة هي أن موريتانيا راكمت خلال العقود الماضية منظومة من الإصلاحات القانونية والمؤسساتية في مجال حقوق الإنسان، لكن التحدي الأهم يبقى في تحويل هذه الإصلاحات إلى نتائج محسوسة.
فالقانون الذي يجرّم ممارسة معينة مهم، لكن الأهم هو قدرة المواطن على الوصول إلى العدالة.
والمدرسة التي تستقبل الطفل مهمة، لكن الأهم هو ما يتعلمه الطفل وقدرته على إكمال دراسته.
والقانون الذي يحمي الصحفي مهم، لكن الأهم أيضاً أن تكون المؤسسة الإعلامية قادرة على العمل والاستمرار دون تبعية مالية أو ضغط غير مشروع.
والسياسة التي تعلن مكافحة الفقر مهمة، لكن المؤشر النهائي هو ما إذا كانت الأسرة قادرة فعلاً على تأمين الغذاء والتعليم والصحة والسكن والعمل.
المواطن قبل التصنيف
ومن هذه الزاوية، فإن مقاربة عدم المساواة التي طُرحت في جنيف يمكن أن تكون أكثر اتساعاً من النقاش التقليدي حول التصنيفات الاجتماعية.
فالمجتمع الموريتاني يضم مواطنين من خلفيات ومكونات مختلفة، لكن الفقر لا يسأل المواطن عن عرقه عندما يحاصره، والبطالة لا تميز بين شريحة وأخرى، وارتفاع أسعار الغذاء والسكن والعلاج يطال الأسرة بحسب قدرتها الاقتصادية قبل أي اعتبار آخر.
ومن ثم فإن مكافحة الهشاشة ينبغي أن تستهدف المواطن بناءً على حاجته، وأن توجه الموارد إلى المناطق والأسر والفئات الأكثر احتياجاً، مع اعتماد معايير اجتماعية واقتصادية قابلة للقياس.
الاختبار الحقيقي للإصلاح
لا يجوز إنكار التقدم الذي حققته موريتانيا في مجال التشريع والمؤسسات والسياسات الاجتماعية، كما لا يمكن قبول جميع الاستنتاجات التي تقدمها المنظمات الدولية. وإنما الأدق هو التعامل مع كل مصدر وفق منهجيته، والتمييز بين البيانات القابلة للقياس، والتقديرات، والأحكام السياسية والحقوقية.
وفي هذا الإطار، يبدو أن التحدي الأكبر أمام موريتانيا خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال من مرحلة إثبات وجود الإصلاحات إلى مرحلة قياس أثرها.
فالمؤشر الأكثر أهمية ليس فقط عدد القوانين والمؤسسات، وإنما، نسبة انخفاض الفقر؟ كم طفلاً أكمل تعليمه؟ كم أسرة خرجت من الهشاشة؟ كم امرأة حصلت على فرصة اقتصادية حقيقية؟ هل أصبح الصحفي أكثر قدرة على العمل باستقلالية؟ وهل أصبح المواطن أكثر قدرة على التعبير والاحتجاج والوصول إلى العدالة؟







