الاقتصاد

الوظيفة العمومية في موريتانيا ودول الجوار.. رواتب الدولة مقابل جيش العاطلين

مقارنة بين الرواتب والأجور في القطاع العمومي في موريتانيا ودول الجوار

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

نواكشوط – التواصل: بين مليارات الدولارات التي تنفقها حكومات موريتانيا والجزائر والمغرب والسنغال ومالي على أجور موظفيها، وملايين الباحثين عن فرص عمل خارج القطاع العمومي، تكشف مقارنة حجم الوظيفة العمومية وسوق العمل في البلدان الخمسة عن مفارقة اقتصادية لافتة، فالدولة تظل أحد أكبر أرباب العمل، لكنها لا تستطيع وحدها استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل.

وتتضح الصورة أكثر عند وضع حجم القطاع العمومي إلى جانب عدد السكان، ثم مقارنة كتلة الأجور بالدولار، وربطها بمؤشرات البطالة وقوة العمل.

موريتانيا.. أكثر من 61 ألف عامل في الوزارات والإدارات العمومية

ففي موريتانيا، أظهر تقرير لوزارة المالية، نشر في نوفمبر 2025، أن عدد العاملين في مختلف الوزارات والإدارات العمومية بلغ 61,132 عاملاً، بينهم 59,768 يعملون بدوام كامل. ويختلف هذا الرقم عن رقم سابق بلغ نحو 54 ألف موظف، يرجع إلى اختلاف نطاق الإحصاء ومنهجية احتساب العاملين؛ لذلك يُعتمد هنا آخر رقم مع الإشارة إلى أنه يخص الوزارات والإدارات العمومية. ومع عدد سكان يناهز 5 ملايين نسمة، يعادل ذلك نحو 12 موظفاً لكل ألف نسمة.

وبالتوازي مع ذلك، قدرت برمجة 2025 كتلة الأجور بنحو 26.13 مليار أوقية جديدة، أي قرابة 650 مليون دولار وفق سعر صرف يقارب 40 أوقية جديدة للدولار.

ولا تتوقف الزيادة في حجم الوظيفة العمومية عند ذلك؛ فقد أطلقت الحكومة خلال 2026 عملية واسعة لاكتتاب 3,000 موظف ووكيل عقدوي في مؤسسات الدولة، في إطار برنامج أعلن عنه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. وبدأت العملية فعلياً في مارس، قبل أن تنتقل إلى مراحل لاحقة خلال العام. وهو ما يعني أن عدد العاملين في الوزارات والإدارات سيرتفع إذا اكتملت العملية، بما يضيف نحو 5% إلى الرقم الحالي تقريباً.

المغرب.. 38 مليون نسمة ونحو 576 ألف موظف

وفي المغرب، يبلغ عدد السكان نحو 38 مليون نسمة، فيما يبلغ عدد موظفي الدولة المدنيين 576,062 موظفاً في 2025، أي نحو 15 موظفاً لكل ألف نسمة.

وبلغت نفقات الموظفين 180.27 مليار درهم في 2025، أي نحو 18 مليار دولار، قبل أن ترتفع في موازنة 2026 إلى 195.33 مليار درهم، أي قرابة 19.5 مليار دولار.

وهكذا تنفق الدولة المغربية على أجور موظفيها أكثر من 27 ضعفاً مما تنفقه موريتانيا بالقيمة المطلقة، لكنها تدير في المقابل جهازاً يخدم سكاناً يزيد عددهم بنحو ثمانية أضعاف.

وتكشف المقارنة المغربية أيضاً عن أهمية التمييز بين عدد الموظفين وكلفة الوظيفة العمومية؛ فاستقرار عدد الموظفين نسبياً لا يعني استقرار فاتورة الأجور، التي تتأثر بالترقيات والزيادات والتعويضات.

الجزائر.. 48 مليون نسمة و44.6 مليار دولار للأجور

اما في في الجزائر، فيقترب عدد السكان من 48 مليون نسمة، بينما تتصدر البلاد المقارنة بفارق واسع من حيث كتلة الأجور.

فقد خصصت موازنة 2026 نحو 5,926 مليار دينار جزائري للأجور، أي قرابة 44.6 مليار دولار وفق سعر الصرف الرسمي البالغ نحو 133 ديناراً للدولار.

وتعادل هذه الكتلة نحو 33.6% من إجمالي ميزانية الدولة، ما يجعل الأجور أحد أكبر بنود الإنفاق العام.

السنغال.. نحو 18 مليون نسمة و195 ألف موظف

يبلغ عدد سكان السنغال نحو 18 مليون نسمة، وفق بيانات البنك الدولي، فيما يناهز عدد موظفي الدولة 195,144 موظفاً، أي نحو 11 موظفاً لكل ألف نسمة.

وأظهرت بيانات تنفيذية حديثة أن الدولة أنفقت 375.1 مليار فرنك CFA على الرواتب خلال ثلاثة أشهر، وهو ما يعطي مؤشراً واضحاً على حجم فاتورة الوظيفة العمومية.

كما تواجه السنغال ضغوطاً قوية على المالية العامة دفعت الحكومة في 2026 إلى الإعلان عن إغلاق 19 وكالة حكومية، بما يمس نحو ألف وظيفة، في محاولة لتقليص الإنفاق وتحسين إدارة الموارد العامة.

مالي.. 26 مليون نسمة ونحو 158 ألف موظف

وفي مالي، التي تعاني أزمات أمنية حادة، يناهز عدد السكان 26 مليون نسمة، بينما شمل آخر إحصاء للموظفين العموميين 158,317 موظفاً من موظفي الدولة والجماعات المحلية، أي نحو 6 موظفين لكل ألف نسمة.

وكشفت عملية التحقق البيومتري أن أكثر من 36 ألف موظف لم يقدموا أنفسهم للتحقق، وقدرت رواتب هذه الفئة بأكثر من 48 مليار فرنك CFA سنوياً، أي نحو 85 مليون دولار.

وتكشف العملية عن مشكلة تتجاوز حجم الرواتب إلى إدارة الوظيفة العمومية وضبط قوائم الموظفين، إذ تسعى السلطات إلى الحد من حالات الموظفين غير المتحقق منهم وما يسمى بالوظائف الوهمية.

حديث الأرقام؟

عند احتساب عدد العاملين في الوزارات والإدارات أو الوظيفة العمومية وفق الأرقام المتاحة، مقابل عدد السكان، تظهر صورة تقريبية:

– المغرب: نحو 15 موظفاً مدنياً لكل ألف نسمة.
– السنغال: نحو 11 موظفاً لكل ألف نسمة.
– موريتانيا: نحو 12 موظفاً لكل ألف نسمة وفق إحصاء 2025 للوزارات والإدارات.
– مالي: نحو 6 موظفين لكل ألف نسمة.
– الجزائر: لا يُحتسب المؤشر بسبب اختلاف تعريفات أعداد الموظفين المتداولة.

لكن هذا المؤشر لا يخبرنا وحده بحجم العبء المالي. فكتلة الأجور تبلغ نحو 650 مليون دولار في موريتانيا، مقابل قرابة 18 مليار دولار في المغرب و44.6 مليار دولار في الجزائر، بينما تتجاوز فاتورة الأجور في السنغال ومالي مليارات الدولارات وفق نطاقات البيانات المتاحة.

والفارق هنا طبيعي جزئياً بسبب اختلاف حجم السكان والاقتصادات، ولذلك فإن المقارنة الأكثر دلالة هي كتلة الأجور لكل مواطن، وليس قيمتها المطلقة فقط.

البطالة.. الوجه الآخر للمعادلة

غير أن فاتورة الوظيفة العمومية لا يمكن قراءتها بمعزل عن سوق العمل. فمعدل البطالة يقيس نسبة الأشخاص من قوة العمل الذين لا يعملون، لكنهم متاحون للعمل ويبحثون عنه؛ ولذلك لا يعكس وحده حجم الأشخاص في سن العمل أو عدد الشباب الداخلين إلى السوق.

وهنا تصبح مؤشرات مثل بطالة الشباب، والبطالة بين حملة الشهادات، ومعدل المشاركة في قوة العمل، ونسبة الشباب خارج التعليم والعمل والتدريب أكثر أهمية عند تقييم قدرة الاقتصاد على استيعاب المؤهلات الجديدة. وتوفر قواعد منظمة العمل الدولية بيانات منفصلة لهذه المؤشرات، بما يسمح بإجراء مقارنة أدق بين الدول الخمس.

وفي موريتانيا تحديداً، يزداد وزن هذه المسألة مع اتساع قاعدة السكان البالغين سن العمل؛ إذ لا يمكن لقطاع عمومي يضم عشرات الآلاف فقط أن يكون الحل الرئيسي لاستيعاب قوة عمل تتجاوز مليوني شخص.

الدولة ليست سوق العمل

وتكشف المقارنة كذلك أن موريتانيا لا تمتلك، بالقيمة المطلقة، قطاعا عموميا ضخماً إذا قورنت بالجزائر أو المغرب، كما أن كتلة أجورها تبدو صغيرة جداً بالدولار.

لكن انخفاض فاتورة الوظيفة العمومية لا يعني بالضرورة أن مشكلة التشغيل أقل حدة، لأن التحدي الحقيقي يكمن في الفجوة بين حجم قوة العمل وعدد الوظائف التي يستطيع الاقتصاد إنتاجها خارج الدولة.

وقد تضيف موريتانيا 3,000 وظيفة حكومية جديدة في 2026، لكن ذلك لا يمثل سوى جزء محدود من احتياجات سوق العمل. وفي المقابل، تستطيع الجزائر أو المغرب إنفاق عشرات المليارات على أجور موظفي الدولة من دون أن يعني ذلك تلقائياً القضاء على البطالة.

وهكذا، فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس: كم تدفع الدولة لموظفيها؟ بل كذلك: كم وظيفة يستطيع الاقتصاد خلقها خارج الدولة، وكم شاباً يدخل سوق العمل كل عام دون أن يجد وظيفة تتناسب مع مؤهلاته؟

وهنا تصبح كتلة الرواتب مجرد وجه واحد للمعادلة، بينما يمثل الشباب الباحثون عن العمل، وحملة الشهادات الذين لا يجدون وظائف ملائمة، الوجه الآخر والأكثر إلحاحاً لمشكلة سوق العمل في موريتانيا ودول الجوار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى