أخبار وطنية

من لبات ولد المعيوف إلى عشرات الموقوفين.. سبع سنوات من تضييق مساحة التعبير في موريتانيا

أسماء بارزة تم توقيفها بينها السيناتور السابق ولد غده وآخرون

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

نواكشوط- التواصل: أعاد استدعاء اللواء المتقاعد لبات ولد المعيوف من طرف المفوضية المختصة بالجرائم السيبرانية، على خلفية تهمة مشاركته في بث إعلامي، ملف حرية التعبير في موريتانيا إلى الواجهة، بعد سلسلة من التوقيفات والمتابعات التي طالت خلال السنوات الماضية مدونين وصحفيين ونشطاء حقوقيين وسياسيين، وصولًا إلى نواب برلمانيين.

وأعلن حزب «موريتانيا إلى الأمام»، الذي يشغل ولد المعيوف عضوية مكتبه التنفيذي، أن الشرطة السيبرانية استدعته وطلبت مثوله أمام وكيل الجمهورية، واعتبر الإجراء «تصعيدًا خطيرًا» واستهدافًا لحرية التعبير والعمل السياسي. ولم تتضح حتى الآن التهم الموجهة إليه أو المدة التي سيخضع خلالها للاستجواب.

ويأتي الاستدعاء بعد نحو خمس سنوات من إقرار “قانون حماية الرموز الوطنية وتجريم المساس بهيبة الدولة وشرف المواطن”، الذي أثار منذ طرحه عام 2021 اعتراضات منظمات حقوقية وصحفية، حذرت من أن صياغاته الفضفاضة قد تفتح الباب أمام تقييد التعبير، خصوصًا على شبكات التواصل الاجتماعي.

من المدونين إلى النواب

ومن أبرز الحالات التي أعقبت دخول القانون حيز التطبيق، توقيف محمد يسلم في مايو 2022، بعد فيديو انتقد فيه ما وصفه بالعنصرية الحكومية، قبل الإفراج عنه بعد نحو أسبوعين، إضافة إلى الحسن سليمان بدي الذي حوكم بسبب محتوى تناول فيه قضايا قبلية وحُكم عليه بالسجن، وفق تقارير حقوقية.

وفي 2023، تصاعدت الملاحقات المرتبطة بالمحتوى السياسي، ومن أبرزها توقيف النائب محمد بويا ولد الشيخ محمد فاضل بعد رفع حصانته البرلمانية، وقضية حمده عبد الله الذي أوقف أربعة أيام عقب بث مباشر انتقد فيه الحكومة. كما أوقف محمد فال ولد عبد الله لنحو ثلاثة أسابيع بعد تدوينة دعا فيها إلى الإطاحة بالرئيس، قبل الحكم عليه بالسجن سنة مع وقف التنفيذ. ووثقت مؤسسة الإعلام لغرب إفريقيا كذلك توقيف الناشط يبه سيبي لأكثر من 20 يومًا على خلفية منشورات ناقدة للسلطات.

وفي 2024، برزت قضية أحمد صمبه عبد الله، الذي أوقف في أكتوبر بعد منشور على «فيسبوك» انتقد فيه الرئيس وسياسات الحكومة، إلى جانب محمد يسلم ومحمد سيداتي عالي بسبب إعادة نشر محتواه.

واكتسبت القضية أهمية خاصة بعدما طعن دفاع ولد صمبه في دستورية قانون حماية الرموز. وفي نوفمبر 2024، ألغى المجلس الدستوري جزءًا من المادة الثالثة من القانون المتعلق بتجريم القذف والتجريح والسب ونسبة وقائع غير صحيحة إلى رئيس الجمهورية أو مسؤول عمومي، في قرار اعتبرته منظمات حقوقية محطة مهمة في حماية حرية التعبير.

2025.. اتساع دائرة الملاحقات

خلال 2025، اتسعت الحالات الموثقة لتشمل ناشطين وطلابًا وصحفيين.
فقد أوقف 12 طالبًا في مارس بعد نشر فيديوهات تضمنت شعارات تنتقد الرئيس، وأفرج عنهم بعد يومين. كما أوقف الناشط عبد الله با في إبريل بسبب فيديو انتقد فيه سياسة الحكومة تجاه المهاجرين، وحكم عليه بالسجن سنة، منها ستة أشهر نافذة.

وأوقفت الناشطة وردة أحمد سليمان مرتين خلال العام، كما أعيد توقيف أحمد ولد صمبه في يناير، وحكم عليه لاحقًا بسنة، منها ثمانية أشهر نافذة.

وفي الوسط الصحفي، أوقف أحمد ولد بتار أربعة أيام بعد نشر مقابلة متخيلة مع الوزير الأول، فيما أوقف الصحفيان أبو بكر ولد محمد فال ومحمد عبد الله ولد المصطفى نحو ثلاث ساعات أثناء تغطيتهما احتجاجًا ورفضهما حذف الصور التي التقطاها. كما أوقف الصحفي أحمد ولد حرود على خلفية منشور انتقد فيه تصرفًا لشرطي بحقه.

وتقول منظمة «سيفيكوس» إن حالات توقيف الصحفيين والنشطاء والمحاكمات خلال 2025 عكست استمرار الضغوط على حرية التعبير، فيما اعتبرت منظمة «مراسلون بلا حدود» أن حبس الصحفيين، حتى في قضايا مهنية، إجراء غير متناسب.

2026.. وصول الملاحقات إلى البرلمان

شهد عام 2026 الجاري تطورًا أكثر حساسية مع توقيف نائبتين من حركة «إيرا»، هما مريم بنت الشيخ ديينغ وقامو عاشور سالم، في إبريل، بسبب فيديوهات ومنشورات انتقدتا فيها الرئيس والحكومة. ووجهت إليهما اتهامات شملت المساس بالرموز الوطنية والتحريض والدعوة إلى تجمعات عبر شبكات التواصل. وحُكم عليهما بالسجن قبل أن تخفف الأحكام ويشملهما لاحقًا عفو رئاسي أُطلق بموجبه سراحهما.

وفي الفترة نفسها، وثقت «سيفيكوس» توقيف عشرات الناشطين والمتظاهرين المرتبطين باحتجاجات حركة «إيرا» واحتجاجات أخرى، معتبرة أن استخدام الاعتقال في مواجهة الاحتجاج السلمي يمثل تضييقًا على الحق في التجمع والتعبير.

وبذلك لم تعد الملاحقات مقتصرة على المدونين أو الصحفيين، بل وصلت إلى نواب منتخبين وشخصيات سياسية وحقوقية بارزة، وهو ما يجعل استدعاء لبات ولد المعيوف حلقة جديدة في مسار بات محل متابعة من المنظمات الحقوقية والإعلامية.

حصيلة لا تزال مفتوحة

لا توجد، حتى الآن، إحصائية رسمية تجمع كل الموقوفين على خلفية التعبير منذ دخول قانون حماية الرموز حيز التنفيذ. لكن الجرد الجزئي للحالات التي وثقتها منظمات حقوقية وإعلامية دولية يشمل عشرات الأشخاص، بينهم ما لا يقل عن 40 حالة فردية يمكن ربطها مباشرة بالتعبير أو النشاط السياسي والحقوقي أو التغطية الصحفية، فضلًا عن عشرات أخرى أوقفت خلال احتجاجات وتجمعات سلمية. ولا يمكن اعتبار هذا الرقم حصيلة نهائية، لأن بعض الحالات تتداخل وبعض التوقيفات الجماعية يصعب فصل أفرادها وتحديد مدد احتجازهم.

وترى منظمات حقوقية أن المشكلة لا تكمن فقط في عدد من دخلوا السجن، وإنما في أثر التوقيف والتحقيق والمحاكمة على المجال العام؛ إذ يمكن للاعتقال القصير أو التهديد بالمتابعة القضائية أن يدفع الصحفيين والنشطاء والمواطنين إلى الرقابة الذاتية. وقد حذرت «سيفيكوس» منذ إقرار قانون الرموز من أن صياغاته الواسعة قد تحدث «تأثيرًا مثبطًا» على الصحفيين وتدفعهم إلى تجنب تناول الملفات الحساسة.

وهكذا، فإن استدعاء اللواء المتقاعد لبات ولد المعيوف لا يأتي كواقعة منفصلة، بل يفتح مجددًا سؤالًا أوسع وهو، هل أصبحت القوانين التي أُقرت لحماية رموز الدولة والأمن العام تُستخدم، في بعض الحالات، لتوسيع هامش التجريم على حساب حرية التعبير؟ وهو سؤال يبقى مفتوحًا أمام نتائج التحقيقات والقضاء، كما أمام تقييم المنظمات الوطنية والدولية لمسار الحريات في موريتانيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى