من المأمورية إلى أزمة الكهرباء.. حين تنشغل النخبة بتغيير الدستور عن أوجاع المواطنين
قراءة في ازمتي المأمورية والكهرباء

أحمد الدوة
تثير الدعوات المتصاعدة إلى تعديل قواعد التداول الدستوري وتمديد المأموريات الرئاسية أسئلة جدية حول أولويات النخبة السياسية في موريتانيا، خصوصاً في وقت يواجه فيه البلد أزمات يومية تمس حياة المواطنين ومصالحهم مباشرة.
فمن المؤسف أن يتحول جزء من الخطاب السياسي إلى سباق محموم في التملق والدعوة إلى تغيير القواعد الدستورية، بينما ينشغل المواطن بما هو أكثر إلحاحاً: توفير الكهرباء، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وإصلاح الإدارة، وتوفير فرص العمل، وحماية القدرة الشرائية.
وتأتي أزمة الكهرباء في نواكشوط لتقدم مثالاً صارخاً على الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي.
فقد شهدت العاصمة انقطاعات واسعة إثر احتراق منشآت كهربائية استراتيجية، وتضررت أسر ومؤسسات تجارية وصحية، في وقت كانت فيه درجات الحرارة المرتفعة تجعل الكهرباء ضرورة لا تحتمل التأجيل.
وهنا يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً: هل الأولوية اليوم هي البحث عن مأمورية جديدة، أم البحث عن حلول لأزمة الكهرباء والخدمات الأساسية؟
إن الدول لا تقاس بعدد المهرجانات السياسية ولا بحجم عبارات الإشادة بالسلطة، وإنما بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية، وصيانة بنيتها التحتية، وحماية مصالح مواطنيها، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير.
والأخطر أن التدافع نحو تعديل الدستور يأتي في وقت تحتاج فيه البلاد إلى نقاش جدي حول أسباب الاختلالات التي كشفتها أزمة الكهرباء وغيرها من الأزمات.
فاحتراق منشآت استراتيجية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد حادث عابر، بل يجب أن يفتح نقاشاً حول الصيانة، والكفاءة، والصفقات العمومية، والحوكمة، وقدرة المؤسسات على الاستباق والاستجابة للطوارئ.
كما أن استمرار الأزمات في قطاعات حيوية يفرض على النخبة السياسية أن تنقل اهتمامها من الأشخاص إلى المؤسسات، ومن المأموريات إلى السياسات، ومن الدعاية إلى النتائج.
لقد أثبتت التجارب السياسية أن كسر القواعد الدستورية لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام أزمات أكبر. ومن ثم فإن الدفاع عن الدستور ليس موقفاً موجهاً ضد شخص أو نظام بعينه، وإنما هو دفاع عن استقرار الدولة وعن مبدأ أن السلطة يجب أن تتقيد بالقواعد التي تحكم ممارستها.
ومن المفارقات أن بعض الأصوات التي تتصدر اليوم الدعوة إلى تغيير قواعد التداول السياسي سبق أن ارتبطت بتجارب سياسية عرفت توترات حادة حول الشرعية الدستورية.
وهذا يجعل من المشروع طرح سؤال: هل تغيرت القناعات، أم أن موازين القوى هي التي تغيرت؟
موريتانيا بحاجة إلى نخبة سياسية تضع مصالح الدولة فوق مصالح الأشخاص، وتتنافس حول البرامج والحلول، لا حول حجم الولاء والتملق.
وهي بحاجة إلى موالاة ومعارضة تراقبان أداء المؤسسات، وتقدمان البدائل، وتدافعان عن حق المواطن في خدمة عمومية محترمة.
فالمواطن الذي قضى أياماً في الظلام، والتاجر الذي تكبد خسائر بسبب انقطاع الكهرباء، والمريض الذي يحتاج إلى مستشفى يعمل بكفاءة، والأسرة التي تبحث عن تعليم جيد لأبنائها، لا تعنيه كثيراً الشعارات المتعلقة بالمأمورية بقدر ما يعنيه أن يجد دولة حاضرة وقادرة على أداء وظائفها.
إن اختراق الدستور لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن إصلاح الاقتصاد والخدمات والإدارة. وإذا كانت هناك رغبة حقيقية في خدمة النظام السياسي، فإن أفضل خدمة يمكن تقديمها له ليست تغيير قواعد اللعبة، وإنما تحسين أداء الدولة ومعالجة الاختلالات ومواجهة الأزمات بشجاعة ومسؤولية.
فالدستور ليس عقبة أمام الاستقرار، والاستقرار لا يصنعه التملق والنفاق ، والدولة القوية لا تحتاج إلى أبواق تطالب بكسر قواعدها؛
بل تحتاج إلى مؤسسات قوية، وحكومة كفؤة، وخدمات محترمة، ونخبة سياسية تضع الوطن والمواطن قبل الأشخاص والمأموريات.







