مقالات وآراء

تقرير محكمة الحسابات بين مكافحة الفساد وتصفية الحسابات السياسية

منذ فترة، يدور داخل دوائر القرار نقاش محتدم بشأن مصير التقرير المرتقب لمحكمة الحسابات والمفتشية العامة للدولة عن السنة المنصرمة: هل ينشر على الملإ بما يحمله من معطيات وتجاوزات قد تثير الرأي العام، أم يطوى في الأدراج وتتم معالجة ما يرد فيه بعيدا عن الأضواء؟
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الوزير الأول المختار ولد أجاي يدفع باتجاه نشر التقرير لتوريط بعض خصومه السياسيين. بينما يبدي مدير الديوان الناني ولد اشروقه تحفظا على الخطوة، محذرا من تداعياتها السياسية والإعلامية، ومن احتمال أن تتحول إلى مادة جديدة لتأجيج السخط الشعبي.
وتستند وجهة النظر الرافضة للنشر إلى أن الكشف العلني عن حجم الاختلالات المالية والإدارية قد يضع السلطة أمام أسئلة محرجة، خصوصا في ظرف سياسي واقتصادي حساس، وقد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الانتقادات الشعبية والإعلامية، بدل أن يساهم في تهدئة الأوضاع.
أما الطرح الآخر، فيرى أن نشر التقرير يمكن أن يكون أداة سياسية وإعلامية فعالة، خصوصا إذا كشف ملفات مرتبطة بأسماء وشخصيات محسوبة على خصوم رئيس الوزراء. وهنا تحديدا تبرز واحدة من أكثر الإشكاليات حساسية: هل تتحول أجهزة الرقابة إلى أدوات لمكافحة الفساد، أم إلى وسائل لتصفية الحسابات داخل مراكز النفوذ؟
وتتردد انتقادات مفادها أن بعض التحقيقات الرقابية خلال الفترة الأخيرة اتجهت بصورة أكبر نحو مؤسسات وشخصيات محسوبة على خصوم ولد أجاي، بينما لم تحظ مؤسسات أخرى يقودها مقربون منه، أو محسوبون على حلفه «متحدون»، بالقدر نفسه من التدقيق والرقابة.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن المسألة لا تعود مرتبطة بمجرد نشر تقرير رقابي، وإنما تتعلق بالسؤال الأهم: هل تدار مكافحة الفساد وفق معيار واحد، أم وفق موازين القوة والتحالفات داخل السلطة؟
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن نشر التقرير قد يسبق عملية إبعاد عدد من المسؤولين، بما يتيح إعادة تشكيل خريطة المناصب الإدارية وتعيين شخصيات أكثر قربا من رئيس الوزراء، في سيناريو يشبه ما جرى خلال العام الماضي. وبذلك يصبح التقرير، في نظر منتقدي السلطة، ليس فقط وثيقة رقابية، وإنما ورقة في صراع النفوذ داخل النظام.
وفي المقابل، يمكن أن يكون للتقرير دور سياسي آخر؛ إذ قد يساهم نشره في تحويل اهتمام الرأي العام بعيدا عن الأزمات المتفاقمة،وتردي الخدمات الأساسية، خصوصا مع موسم الخريف وما يصاحبه من انقطاعات في الكهرباء والمياه، وتراكم مياه الأمطار في الشوارع، وضعف شبكات الصرف الصحي في العاصمة.
وهنا تبرز مفارقة صارخة: هل يراد للتقرير أن يكون أداة حقيقية لتطهير الإدارة، أم أن يتحول إلى ستار سياسي يستخدم لإعادة توجيه غضب الشارع؟
حتى الآن، يبدو أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لم يحسم بصورة نهائية مسألة نشر التقرير، وهو تردد يمكن فهمه في ضوء التداعيات التي خلفها التقرير السابق، وما أثاره من جدل واسع وأسئلة حول حجم الاختلالات المالية والإدارية داخل أجهزة الدولة.
فالسلطة تدرك أن نشر تقرير رقابي ثقيل في هذا الظرف قد لا يكون مجرد إجراء إداري عادي؛ إذ يمكن أن يتحول إلى حدث سياسي بامتياز، خصوصا في بلد يتجه نحو استحقاقات انتخابية تشريعية ورئاسية، حيث لا ترغب أي سلطة في أن تدخل المعركة الانتخابية محملة بملفات فساد جديدة أو بأرقام صادمة عن المال العام.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في نشر التقرير أو حجبه.
المشكلة في أن تصبح تقارير الرقابة نفسها جزءا من لعبة الصراع السياسي على السلطة.
فإذا كان التقرير يتضمن مخالفات وفسادا فالمطلوب هو نشره بشفافية، وإحالة الملفات التي تستوجب المتابعة إلى القضاء، دون انتقائية أو استثناءات. وإذا كان يتضمن اتهامات غير ثابتة، فعلى الجهات المختصة أن تمنح المعنيين حق الرد والدفاع عن أنفسهم.
أما أن تستخدم أجهزة الرقابة لضرب الخصوم، أو تحجب لحماية الحلفاء، فذلك لا يمثل مكافحة للفساد، بل يعيد إنتاجه بطريقة أكثر خطورة.
إن الدولة التي تريد بناء ثقة حقيقية مع مواطنيها لا تحتاج إلى تقارير تستخدم في تصفية الحسابات، وإنما تحتاج إلى رقابة مستقلة، وقضاء نزيه، وشفافية كاملة، ومعيار واحد يطبق على الجميع: حليفا كان أم خصما. قريبا من رئيس الوزراء أم بعيدا عنه.
وفي النهاية، سيبقى السؤال مطروحا داخل أروقة الحكم وخارجها:
هل سيكون تقرير محكمة الحسابات القادم خطوة حقيقية نحو كشف الفساد ومحاسبة المسؤولين، أم ورقة جديدة في صراع النفوذ داخل النظام؟
الجواب لن تحدده البيانات الرسمية وحدها، بل ستحدده الأسماء التي ستكشف، والملفات التي ستفتح، وتلك التي ستبقى ــ لسبب أو لآخر ــ خارج دائرة الضوء.

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
كاتب ، صحفي
medabd388@gmail

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى