مقالات وآراء

حكومة تُدير القبور… وتؤجل التنمية هروبا من الواجب وتسترا على جرائم الفساد

ليس من مهمة الحكومات أن تُغرق نفسها في الملفات الرمزية بينما تتراجع الملفات الحيوية التي تمس حياة المواطنين. فالدولة التي تعاني من تحديات اقتصادية وزراعية وتجارية عميقة، لا يجوز أن تتحول فيها بعض الوزارات إلى منصات للاحتفاء بالقبور والمقامات، وتحويل عقول الفقراء الى اللاهوت، بينما تنتظر القطاعات الإنتاجية من ينهض بها.

إن المشهد الذي يفرض نفسه اليوم يثير سؤالًا مشروعًا: لماذا تحاول وزارة الثقافة التستر على الإفلاس والفشل فى مهامها وواجباتها، وتنشغل بملفات مرتبطة بالقبور والرموز، بدل أن تقود مشروعًا وطنيًا لإحياء الثقافة، ودعم الإبداع، وحماية التراث بمفهومه الشامل، وبناء الوعي الوطني؟

إن محاولة وزارة الثقافة إلهاء الناس فى قبر الأب أبو بكر بن عامر رحمه الله تعالى، الذي يجب أن يكون مكانه بين رفوف الكتب للدارسين والمؤرخين، واستنهاض مآثره لا عبادته وتوجيه ميزانية شكلا الى استثمار باسمه، لصالح الجيوب والضرب على أوتار قلوب الأحفاد من اجل الإلهاء، ونفس الشيء قبر الأمير الشريف ناصر المغفري، وقبر الولي العالم الشيخ سيد المختار الكنتي (الكبير) وغيرهم، لا تطعم جائعا ولا تحارب فقرا تجاوز 99% من الشعب. فالثقافة ليست احتفالًا عابرًا أو محاولة الإلهاء الجاف، بل صناعة للعقل، وتحصين للهوية، واستثمار في الإنسان.

أما وزارة الصناعة والتجارة، التى لا إنجاز لها سوى طاعة رجال الأعمال وتنميتهم وتحويل الشعب عبيدا لهم، فكان الأولى بها أن تنشغل بتشجيع الاستثمار، وحماية المنتج الوطني، وكبح ارتفاع الأسعار، وفتح الأسواق أمام الصناعات المحلية، بدل أن تغيب عن معركة التنمية الاقتصادية التي ينتظرها المواطن ورجل الأعمال الوطنى على حد سواء.

وفي المقابل، تقف وزارة الزراعة-العاجزة عن مد يد الدعم والعون لحوالي 150 ألف مزارع فى سد فم لكليتة، ينهشهم الفقر والجوع، والآفات الزراعية والأعشاب الضارة، والقنوات المدمرة، وانعدام وسائل الفلاحة والزراعة العصرية ووسائل تصدير المنتجات أمام تحديات الأمن الغذائي، واستصلاح الأراضي، ودعم المزارعين، وتحسين الإنتاج، وهي ملفات لا تحتمل التأجيل. و لا محاولة التستر على الفشل، والفساد وإهمال من يستحقون الدعم لصالح رجال أعمال لا يستحقون.
فبلد يمتلك إمكانات زراعية واعدة لا ينبغي أن يبقى رهين الاستيراد والعجز الغذائي، بينما تتبدد الجهود في ملفات ك(القبور)، لا تضيف سنبلة قمح، ولا تروي هكتارًا واحدًا من الأرض ولا تطعم جائعا.
إن احترام التراث أو العناية بالمواقع التاريخية أمر مشروع، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى واجهة تطغى على مسؤوليات الدولة الأساسية. فالمواطن لا يقيس نجاح الوزارات بعدد المناسبات التي تنظمها، ولا عدد القبور التى تبكي على أطلالها، وإنما بما تحققه من نتائج ملموسة في حياته اليومية.

إن الدول لا تُبنى بتضخيم الرموز، وإنما ببناء المصانع، واستصلاح المزارع، وتنشيط الأسواق، وإطلاق المبادرات الثقافية التي تصنع الإنسان المنتج والمبدع.

أما حين تختل الأولويات، وتتسرب ميزانية القطاع فى الجيوب والإبل والقصور والأغنام، فإن الضجيج الإعلامي يصبح بديلًا عن الإنجاز، وتتحول المناسبات إلى ستار يحجب غياب السياسات الفاعلة.

لقد آن الأوان لأن تعود كل وزارة إلى وظيفتها الأصلية: فالثقافة للعقل، والزراعة للإنتاج، والتجارة والصناعة للاقتصاد. وما عدا ذلك ليس سوى هروبا من معركة التنمية إلى معارك لا تُشبع جائعًا، ولا توفر فرصة عمل، ولا تبني وطنًا.

محمد الأمين لحبيب

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى