مقالات وآراء

الإسكان الوظيفي للمدرسين.. من حق إداري إلى مناسبة بروتوكولية

أحمد ولد الدوة الشنقيطي
يُعدّ الحق في السكن اللائق أحد أبسط الحقوق الاجتماعية التي يفترض أن تضمنها الدولة لموظفيها، خاصة لأولئك الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية بناء الأجيال، وفي مقدمتهم المدرسون. ولذلك فإن أي خطوة تتجه نحو تحسين ظروف المعلم المعيشية تظل مطلبًا مشروعًا وضروريًا، بل ومتأخرًا في كثير من الأحيان.

غير أن المشكلة لا تكمن دائمًا في الفكرة، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها، وفي الرسائل السياسية والرمزية التي ترافقها.

لقد تحوّل ملف “صندوق سكن المدرسين” من مطلب إداري واجتماعي طبيعي إلى مناسبة بروتوكولية ضخمة، يُستدعى لها رئيس الجمهورية، وتُعبّأ لها وسائل الإعلام الرسمية والمستقلة ، وكأن الأمر يتعلق بإنجاز استثنائي غير مسبوق، بينما الحقيقة أن الإسكان الوظيفي مطبق منذ عقود في أغلب دول العالم، ويُدار غالبًا عبر مؤسسات متخصصة وبإجراءات إدارية روتينية، دون خطابات مطولة أو استعراض سياسي.

ففي دول كثيرة، يحصل الموظف على سكن عبر التمليك بالتقسيط، أو الإيجار المنتهي بالتمليك، أو القروض العقارية الميسرة، فيدخل المنزل أولًا ثم يسدد على مدى عشرين أو ثلاثين سنة وفق قدرته الشرائية.

أما عندنا، فما يزال الموظف يُستدعى إلى قاعات الاحتفالات ليستلم مبلغًا لا يكفي أحيانًا لاقتناء قطعة أرضية بالتقسيط، في مشهد يوحي وكأن الأمر منّة أو هبة، لا حقًا من حقوقه المهنية والاجتماعية.
والأكثر إثارة للتساؤل هو إشراف رئيس
الجمهورية شخصيًا على هذا النوع من المبادرات. فالرئيس يفترض أن يشرف على المشاريع الوطنية الكبرى، والبنى التحتية الاستراتيجية، والإصلاحات الهيكلية العميقة، لا على ترتيبات تعاونية أو صناديق تمويل محدودة كان يمكن أن تديرها القطاعات المختصة بهدوء وفعالية. لأن الإفراط في توظيف الرمزية الرئاسية في التفاصيل اليومية قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث تتحول هيبة الدولة من رمز للقوة والإنجاز إلى أداة للاستهلاك الإعلامي.
إن المدرسين لا يطالبون بالشفقة، بل بسياسات إسكان حقيقية تحفظ كرامتهم، وتمنحهم الاستقرار النفسي والاجتماعي الذي ينعكس مباشرة على أدائهم التربوي.
فالمعلم الذي يقضي عمره بين الإيجارات وأقساط الديون لا يمكن أن يشعر بالأمان الوظيفي الذي تستحقه رسالته.
ولذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يكون بتنظيم حفلات التسليم، بل ببناء منظومة إسكان وظيفي متكاملة، تقوم على التمويل العقاري الميسر، والشراكة مع البنوك، وتوفير الأراضي والخدمات، وربط السكن بالدخل، بما يضمن للموظف امتلاك منزل محترم خلال مساره المهني، لا مجرد الحصول على دعم رمزي محدود.
إن تحويل الحقوق الأساسية إلى مشاهد احتفالية قد يحقق مكاسب إعلامية مؤقتة، لكنه لا يصنع حلولًا دائمة. أما الدول التي تحترم موظفيها، فهي التي تجعل حصولهم على السكن حقًا إداريًا طبيعيًا، لا مناسبة بروتوكولية للاستهلاك السياسي.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى