ما بعد القومية: العرب بين التنافس الإقليمي وحتمية التنسيق

بقلم احمد محمد حماده
لم تعد فكرة الوحدة العربية تُطرح اليوم بالحرارة نفسها التي ميّزت خطاب الخمسينيات والستينيات، حين ارتبطت بأسماء قادة كبار مثل جمال عبد الناصر، وتحولت إلى مشروع تعبوي جامع يتجاوز الحدود السياسية نحو أفق قومي واسع. كان ذلك الزمن مشبعًا بروح التحرر من الاستعمار، وبإيمان عميق بأن العرب، بتوحدهم، قادرون على صناعة موقع مختلف في العالم. غير أن هذا الحلم، الذي بدا في لحظات معينة قريب المنال، سرعان ما اصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، حيث تداخلت الحسابات القطرية مع التوازنات الدولية، فبدأت الفكرة تتآكل تدريجيًا دون أن تختفي تمامًا.
في سياق الواقع العربي اليوم، لا يمكن القول إن الوحدة العربية انتهت بقدر ما يمكن القول إنها فقدت شكلها القديم. لم يعد هناك مشروع واضح المعالم يدعو إلى اندماج سياسي شامل، ولم تعد الجماهير تتحرك تحت هذا الشعار كما في السابق، لكن في المقابل، لم تتلاشَ الروابط التي قامت عليها الفكرة. اللغة المشتركة، والذاكرة التاريخية، والتحديات المتقاربة، كلها عناصر ما تزال تغذي إحساسًا ضمنيًا بوحدة ما، وإن كانت غير مُؤطرة سياسيًا.
غير أن هذا التحول في مفهوم الوحدة لا يمكن فصله عن البيئة الإقليمية التي يتحرك فيها العالم العربي، وعلى رأسها طبيعة العلاقة مع إيران. فهذه العلاقة، التي دخلت مرحلة جديدة بعد الثورة الإيرانية 1979، أسهمت بشكل غير مباشر في إعادة تشكيل أولويات الدول العربية. لم تعد الوحدة تُفهم فقط كخيار استراتيجي طوعي، بل أصبحت أحيانًا رد فعل على تحديات خارجية، أو أداة ضمن أدوات التوازن في مواجهة نفوذ إقليمي متصاعد.
إيران، بوصفها قوة إقليمية فاعلة، لم تكن يومًا عنصرًا هامشيًا في معادلة المنطقة. حضورها في ملفات متعددة، وتداخلها مع أزمات عربية، جعلا منها عاملًا مؤثرًا في إعادة تعريف الأمن القومي العربي. ومن هنا، لم يعد السؤال العربي منصبًا فقط على “كيف نتوحد؟”، بل أيضًا على “كيف نعيد ترتيب بيتنا الداخلي في ظل بيئة إقليمية معقدة؟”. فالتنافس مع إيران، بقدر ما عمّق الانقسامات في بعض اللحظات، دفع أيضًا بعض الدول إلى البحث عن صيغ تنسيق وتعاون، ولو بشكل جزئي، إدراكًا منها أن التشتت يضعف القدرة على الفعل.
ومع ذلك، فإن اختزال العلاقة العربية-الإيرانية في بعدها الصراعي وحده يظل تبسيطًا مخلًا. فالتاريخ الحديث يُظهر أيضًا لحظات براغماتية، حيث تغلّبت المصالح على الخلافات، وظهرت محاولات لفتح قنوات الحوار وإدارة الأزمات بدل تفجيرها. وهذا ما يعكس تحولًا أعمق في التفكير السياسي العربي، من منطق الشعارات الكبرى إلى منطق إدارة التوازنات.
في هذا السياق، لم تعد الوحدة هدفًا قائمًا بذاته بقدر ما أصبحت نتيجة محتملة لتقاطع المصالح. فالتكامل الاقتصادي، ومشاريع الطاقة، والتنسيق الأمني، كلها أشكال من “الوحدة الوظيفية” التي تتشكل بهدوء، بعيدًا عن الخطاب الأيديولوجي الصاخب. لكن هذا المسار يظل هشًا، في ظل استمرار الصراعات الإقليمية، وتباين التحالفات الدولية، وغياب رؤية عربية مشتركة طويلة المدى.
وفي ضوء التصعيد الذي بلغ ذروته مع العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، وما تلاه من رد إيراني باستهداف قواعد أمريكية في بعض دول الجوار، تبدو المنطقة وكأنها تعيد ترتيب توازناتها على وقع صدمة استراتيجية جديدة. فمن جهة، قد تدفع هذه التطورات العلاقات العربية-العربية نحو قدر أكبر من التنسيق، ليس بدافع إحياء خطاب الوحدة التقليدي، بل تحت ضغط الحاجة إلى تحصين الفضاء الإقليمي من الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة تُفرض عليها من الخارج أو من خلال أراضيها. غير أن هذا الاحتمال يظل مشروطًا بقدرة الدول العربية على تجاوز انقساماتها وبناء حد أدنى من الثقة المتبادلة، وهو أمر لم تُختبر جديته بعد في لحظات الأزمات الكبرى. ومن جهة أخرى، فإن العلاقات العربية-الإيرانية مرشحة للدخول في مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث يتداخل الردع مع الحوار؛ فالدول العربية، التي وجدت نفسها في قلب التوتر بحكم الجغرافيا، ستسعى على الأرجح إلى موازنة دقيقة بين احتواء النفوذ الإيراني وتفادي الانخراط في صراع مباشر معه، بما قد يفتح الباب أمام قنوات تواصل أمنية غير معلنة، حتى في ظل استمرار الخلافات العميقة. وهكذا، فإن ما بعد هذا التصعيد لن يُنتج بالضرورة اصطفافات حادة بقدر ما قد يفرض نمطًا جديدًا من إدارة الأزمات، عنوانه: تقليل الخسائر، وتأجيل الحسم، والبحث عن توازن هش في منطقة لم تعد تحتمل مغامرات كبرى.
هنا تبرز المفارقة: فالعالم العربي، وهو يتخلى تدريجيًا عن حلم الوحدة الشاملة، يجد نفسه في حاجة متزايدة إلى أشكال من التنسيق لمواجهة تحديات مشتركة، من بينها العلاقة المعقدة مع إيران. هذه الحاجة لا تعني بالضرورة عودة الخطاب القومي التقليدي، لكنها تفتح الباب أمام إعادة صياغة الفكرة على أسس أكثر واقعية ومرونة.
في النهاية، لا تبدو فكرة الوحدة العربية كجسد ميت، بل كفكرة في طور التحول، تتأثر بسياق إقليمي متحرك، تلعب فيه العلاقة العربية-الإيرانية دورًا محوريًا. لقد فقدت الوحدة وهجها القديم، لكنها لم تفقد ضرورتها. وبين حنين الذاكرة وضغط الجغرافيا السياسية، يبقى التحدي الحقيقي هو القدرة على تحويل التنافس الإقليمي إلى دافع للتقارب العربي، لا إلى سبب إضافي للانقسام. فهل يستطيع العرب، هذه المرة، أن يتعلموا من دروس الماضي، وأن يصوغوا وحدتهم لا كشعار عاطفي بل كخيار استراتيجي واع؟







