العمدة السابق محمد سالم بمبه يكتب: سلاح التهدئة

استماع جيد وكلام طيب ينتزع من أكثر رجال المعارضة صبرا على البقاء خارج أسوار القصر بانتظار انبلاج فجر العدل والحرية والمساواة للشعب كلمة “إرحل”….
ينتبه هؤلاء القادة بعد حين إلى أن ما استمعوا إليه من تشخيص دقيق للواقع وتعهدات اصلاحية يتأخر إن لم يتبدد وهم يلاحظون أن من غذوا بالفساد من أول يوم ومردوا عليه هم من يعهد إليه بالاصلاح، خلافا لما ورد في القصة من أن ملكا أراد بناء قصر جميل على أنقاض بيت قديم فاستدعى لأجل ذلك مهندسا بارعا ومشهورا فكلفه بالمهمة،فجاء المهندس بمجموعة من العمال لهدم البناية القديمة بشكل كامل، وبعد ذلك جاء بمجموعة أخرى من العمال الذين شرعوا في البناء وفق مخطط المهندس، وحين انتهى البناء وشيد القصر تحفة معمارية مبهرة، نادى الملك المهندس لشكره ومنحه مكافأة مجزية، وخلال حفل تقديم المكافأة توجه الملك بسؤال للمهندس: يا حضرة المهندس أنا لاحظت أنكم أتيتم بمجموعة من العمال للهدم وحين شرعتم في البناء جئتم بمجموعة أخرى ولم تحتفظوا بأي عنصر من المجموعة الأولى، ما تفسير ذلك؟ فأجابه المهندس بداهة:
يا جلالة الملك إن عمال الهدم لا يصلحون للبناء.
تذكر القادة فحوى هذه القصة وهم يشاهدون أن من عهد إليه بالاصلاح إنما يبتكر أساليب بطش وفساد أكثر مكرا وتأثيرا مما كان سائدا في عهود سابقة، فراجع هؤلاء القادة فخامة الرئيس وقدموا ملاحظاتهم حول تأخر الاصلاح وطلبوا توثيق تلك التعهدات في ميثاق معلن يتضمن ما ينتظرون من اصلاحات…
أثناء ذلك شرعت مجموعات من القوى الشبابية أساسا بتشكيل أحزاب سياسية جديدة، تتبنى خطابا متناغما مع رغبة الشعب الدائمة في أن يخرج يوما من المهانة والمذلة وأن يرى من بين أبنائه من يبني ليعوضه عن عهود الهدم والتهشيم والقضم والنهش، فنالت هذه الأحزاب تزكية سريعة من الشعب رغم ما وضع أمامها من عقبات ومتاريس جديدة..
عاد فخامة الرئيس من جديد ليستدعي الجيل الجديد من المعارضين ليقدم لهم تشخيصا دقيقا لتركة ثقيلة من الفساد والإهمال لم يستثن منها حكوماته المتعاقبة مطالبا إياهم بتقدير الوضعية والتعاون على خدمة الوطن.
تطرح الحلقة الأخيرة من الكلام الطيب من طرف الرئيس والصبر على الاستماع إلى كلام المعارضين أسئلة جدية لكل من فخامة الرئيس وللأحزاب المعارضة التي شاركت في اللقاءات الأخيرة،
فمتى سيكتشف الرئيس أن رجال الهدم لا يمكن بأي حال أن يصلحوا للبناء وأن الكلام الطيب جيد ومطلوب ولكن الأثر البارز في حياة المواطن اليومية قدرة شرائية ترتفع وتعليما نوعيا للجميع ونظاما صحيا نوعيا والضرب بيد من حديد على كل من يتخذ من الأزمات الخارجية فرصة للإثراء على حساب استمرار مهانة ومذلة الشعب، هي الأمور التي تمنح الخطاب مصداقية، وتجند المجتمع، كل المجتمع بصورة تلقائية ليشكل درعا واقيا من كل المتربصين؟ ومتى سيتبع كلامه الطيب بأفعال قوية مؤثرة إيجابيا على حياة المواطن؟
أما الجيل الجديد من المعارضين فيواجههم امتحان عسير:
هل يعارضون الواقع بكل تجلياته ويتمسكون بالعمل على تجسيد المشاريع النظرية التي يبشرون بها أم أنهم يعارضون أشخاصا بعينهم وهل يقبلون أن يتحمل الشعب في كل مرة فاتورة فساد حكومات لم تستطع بناء خزان لحفظ الوقود ولم تتمكن من إقامة مدرسة لبناء عقول شابة قادرة على مواكبة العصر ومتجذرة في قيمها الإسلامية ؟
متى سيدخل البلد عهد التهدئة بواسطة إجراءات قوية من طرف فخامة الرئيس تقيم قطيعة مع تدوير المفسدين وتراهن على احتضان الشعب بدل الاستمرار في الثقة في أصحاب الأقنعة المتغيرة، من جهة، وبروز جيل من السياسيين يحافظ على مصداقية خطابه حتى ينال ثقة الشعب عبر انتخابات نزيهة وشفافة لنرى حدود قدرته على تجسيد خطاباته؟
تلك هي الانتظارات من وجهة نظري خلال الأيام القادمة.
محمد سالم بمب







