بين العدالة والاستثمار السياسي في المظالم

الأستاذ غورمو عبدول لو المحترم، اطلعت على مقالكم الأخير «حصيلة خيانة وطنية»، ولاحظت سعيكم إلى تقديم ما يسمى بـ«الإرث الإنساني» بوصفه المأساة الوطنية الأكبر والأخطر في تاريخ موريتانيا المستقلة، بل واعتباره حالة استثنائية لا تقارن بغيرها من المظالم والانتهاكات التي شهدتها البلاد. ومع التسليم بحق جميع الضحايا في الاعتراف والإنصاف وجبر الضرر، فإن هذه المقاربة تثير جملة من الإشكالات الوطنية والسياسية العميقة.
فالمشكلة، في تقديري، لا تكمن في الدفاع عن ضحايا أحداث 1989-1991، وإنما في محاولة احتكار صفة الضحية الوطنية، وتصوير تلك الأحداث وكأنها المعيار الوحيد الذي تقاس به المظالم والانتهاكات في تاريخ الدولة الوطنية. ذلك أن موريتانيا عرفت، خلال عقود من تاريخها، انتهاكات متعددة طالت سياسيين وعسكريين ونقابيين وناشطين ومواطنين من مختلف الانتماءات والشرائح الاجتماعية، ولم يكن الظلم حكرًا على فئة دون أخرى.
إن وثيقة معالجة المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان في ظل الدولة الوطنية تنطلق من مبدأ مختلف تمامًا، قوامه أن جميع الضحايا يستحقون الإنصاف، وأن جميع الانتهاكات الجسيمة تستحق الاعتراف، دون تمييز بين مظلمة وأخرى، ودون إقامة تراتبية أخلاقية أو سياسية بين الضحايا.
ومن هنا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في توسيع دائرة الاعتراف بالمظالم، بل في حصرها داخل ملف واحد أو إطار واحد أو مكون اجتماعي واحد. لأن مثل هذا الطرح لا يقود إلى المصالحة الوطنية، بل يفضي إلى إنتاج ذاكرة انتقائية، ويحول بعض المآسي الوطنية إلى أدوات للاستثمار السياسي المستمر.
فحين يتم الإصرار على تقديم قضية معينة باعتبارها الجرح الوطني الوحيد الذي لم يلتئم، مع تجاهل أو تهميش بقية الجراح، فإن النتيجة الطبيعية هي الإبقاء على حالة استنفار سياسي دائم، وإعادة إنتاج الانقسامات بدل معالجتها. كما أن ذلك يخلق مصلحة سياسية لدى بعض الأطراف في استمرار الأزمة رمزيًا، لأن انتهاء الأزمة أو إدماجها ضمن معالجة وطنية شاملة يفقدها جزءًا من قدرتها على التعبئة والاستقطاب.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل أن بعض القوى السياسية التي عجزت عن إقناع الناخبين بمشاريعها وبرامجها، ولم تتمكن من الوصول إلى مواقع التأثير عبر الانتخابات الرئاسية أو التشريعية أو البلدية، قد تجد في الأزمات والهويات الفرعية والانقسامات الاجتماعية مجالًا بديلًا للحضور السياسي. فبدل التنافس على أساس البرامج والحلول، يصبح الاستثمار في المظالم والذاكرات المتصارعة وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ والتأثير.
ومن هنا يبرز التساؤل المشروع: هل المطلوب هو الوصول إلى حل وطني عادل ومنصف يطوي صفحات الماضي ويجبر ضرر الضحايا كافة، أم الإبقاء على بعض الملفات مفتوحة باعتبارها أدوات دائمة للتعبئة والاستقطاب؟ فالدولة الوطنية القوية تُبنى على معالجة الأزمات وتجاوزها، لا على إدارتها واستثمارها. كما أن العدالة الحقيقية لا تتحقق بإدامة الجراح، بل بمعالجتها ضمن رؤية وطنية جامعة تحفظ الحقوق وتصون الوحدة الوطنية.
ولهذا فإن المقاربة الوطنية الشاملة التي اقترحتها الوثيقة ليست محاولة لتذويب خصوصية أي ملف، كما يروج البعض، وإنما هي محاولة لتحرير ملف المظالم من التوظيف السياسي والفئوي، وإدخاله في إطار وطني جامع يعترف بجميع الضحايا ويبحث عن العدالة للجميع.
إن بناء الوحدة الوطنية لا يكون عبر التنافس على صفة الضحية، ولا عبر تقسيم المواطنين إلى ضحايا تاريخيين وآخرين أقل استحقاقًا للتعاطف والإنصاف، وإنما يكون عبر الاعتراف بأن الظلم الذي وقع على أي موريتاني هو ظلم للوطن كله، وأن العدالة لا تتجزأ، وأن الذاكرة الوطنية ينبغي أن تكون جامعة لا انتقائية.
إن ما تحتاجه موريتانيا اليوم ليس تعدد الروايات المتصارعة حول الماضي، وإنما رؤية وطنية متوازنة تجعل من جميع المظالم والانتهاكات جزءًا من ذاكرة مشتركة، ومن جميع الضحايا أبناء وطن واحد، ومن العدالة أساسًا للمصالحة لا وسيلة لإدامة الأزمات أو توظيفها سياسيًا.
فالمستقبل أيها الأستاذGourmo Abdoul Lo لا يُبنى بتغذية الانقسامات أو تكريس الشعور بالمظلومية الدائمة، وإنما ببناء دولة المواطنة والقانون، وبترسيخ ثقافة الإنصاف والمصالحة والاعتراف المتبادل. وعندما يشعر كل موريتاني بأن مظلمته معترف بها، وأن حقوقه مصونة، وأن العدالة تشمل الجميع دون استثناء، تتحول الذاكرة من مصدر للانقسام إلى رافعة للوحدة الوطنية والاستقرار.
وتفضلوا بقبول فائق التقدير والاحترام.
سيدي محمد ولد اخليفه







