ذهب موريتانيا في 2025.. إنتاج صناعي أقل وإيرادات تعدين أعلى

نواكشوط- التواصل: أظهرت بيانات رسمية وإفصاحات مالية للشركات العاملة في قطاع الذهب أن موريتانيا شهدت خلال 2025 مفارقة لافتة تمثلت في تراجع الإنتاج الصناعي للذهب، مقابل ارتفاع إيرادات التعدين التي دخلت خزينة الدولة، في وقت سجلت فيه أسعار الذهب العالمية قفزة كبيرة عززت قيمة الإنتاج والإتاوات.
وبحسب تقرير تنفيذ ميزانية الدولة لعام 2025، بلغت إيرادات التعدين الموريتانية نحو 116.3 مليون دولار، مقابل نحو 101.8 مليون دولار في 2024، بزيادة بلغت 14.4 بالمئة. وارتفعت هذه الإيرادات ضمن سياق أوسع سجلت فيه إيرادات الدولة الإجمالية نحو 2.78 مليار دولار في 2025، مقابل نحو 2.40 مليار دولار في العام السابق.
لكن ارتفاع الإيرادات لم يكن مصحوباً بزيادة مماثلة في الإنتاج الصناعي للذهب. فقد أنتج منجما تازيازت وگلب ام اقرين، وهما أبرز منتجي الذهب الصناعي في البلاد، ما مجموعه نحو 16.66 طناً في 2025، وفق بيانات الشركتين، مقارنة بنحو 20.33 طناً في 2024، أي بتراجع يقارب 18 بالمئة. فقد انخفض إنتاج تازيازت من 622,394 أونصة إلى 503,429 أونصة، بينما ارتفع إنتاج گلب ام اقرين بصورة طفيفة من 31,478 أونصة إلى 32,426 أونصة.
وتبرز أسعار الذهب كأحد أهم مفاتيح تفسير هذه المفارقة. فقد أعلنت كينروس، المالكة لتازيازت، أن متوسط السعر المحقق للذهب لديها ارتفع في 2025 إلى نحو 3,423 دولاراً للأونصة، مقابل 2,393 دولاراً في 2024، أي بزيادة تقارب 43 بالمئة. وبالتالي، فإن انخفاض الكميات المنتجة لم يمنع ارتفاع القيمة المالية للذهب المنتج، كما انعكس ارتفاع الأسعار على الإتاوات والمدفوعات الحكومية.
وتكشف إفصاحات الشركات عن حجم كبير من المدفوعات المرتبطة بالنشاط المنجمي. فقد دفعت تازيازت للحكومة الموريتانية في 2025 نحو 184.98 مليون دولار، وفق تقرير الشفافية الضريبية لكينروس، شملت نحو 79.94 مليون دولار ضرائب و103.76 مليون دولار إتاوات، إضافة إلى رسوم ومدفوعات لتحسين البنية التحتية.
كما سجل مشروع تازيازت إجمالي مدفوعات بلغ 185.51 مليون دولار، مع احتساب مبلغ إضافي لصالح جهة محلية.
أما شركة MCM، المشغلة لمنجم گلب أم اقرين، فقد أعلنت عن مدفوعات للحكومة الموريتانية بلغت 20.22 مليون دولار خلال 2025، منها 10.90 ملايين دولار ضرائب نقدية و9.32 ملايين دولار إتاوات. وبذلك يصل مجموع المدفوعات الحكومية المعلنة من الشركتين إلى نحو 205.2 مليون دولار. غير أن هذا الرقم لا ينبغي مقارنته مباشرة بإيرادات التعدين البالغة 116.3 مليون دولار في تنفيذ الميزانية، لأن بيانات الشركات تشمل الضرائب والإتاوات والرسوم ومدفوعات أخرى، بينما يمثل بند إيرادات التعدين في الخزينة تصنيفاً محاسبياً مختلفاً ضمن الإيرادات غير الضريبية للدولة.
وتشير بيانات مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية إلى أن إنتاج موريتانيا من الذهب بلغ 22.304 طناً في 2024، منها نحو 19.359 طناً من تازيازت و971 كيلوغراماً من گلب أم اقرين و1.974 طن من التعدين الأهلي.
كما قدر المسح الجيولوجي الأميركي إنتاج البلاد في العام نفسه بنحو 21.95 طناً، بفارق محدود عن الرقم الموريتاني الرسمي.
وتكمن أهمية هذه الأرقام في أنها لا تسمح، في غياب حصيلة رسمية نهائية للإنتاج الأهلي لعام 2025، بالقول إن إنتاج موريتانيا الوطني من الذهب انخفض بنسبة 18 بالمئة؛ فالانخفاض المذكور يخص الإنتاج الصناعي المعروف من تازيازت وگلب أم اقرين فقط. لكن المؤشرات المتاحة تكشف بوضوح أن قطاع الذهب دخل 2025 بمعادلة مختلفة تثبت في كميات صناعية أقل، وأسعار عالمية أعلى، وإيرادات تعدين حكومية أكبر، ما يفتح السؤال حول مدى استفادة الخزينة والاقتصاد الوطني من طفرة أسعار الذهب مقارنة بالقيمة الإجمالية التي يحققها القطاع للشركات المنتجة.
وتكشف المقارنة بين المنجمين عن اختلاف واضح في بنية العائدات. فقد ارتفعت إيرادات تازيازت من نحو 1.46 مليار دولار في 2024 إلى 1.67 مليار دولار في 2025، مع بقاء الذهب عملياً المصدر شبه الكامل لإيرادات المنجم، فيما ظلت مساهمة الفضة هامشية للغاية.
أما MCM، فارتفعت إيرادات مبيعاتها من 286 مليون دولار إلى 301 مليون دولار خلال الفترة نفسها؛ وكانت في 2025 تتوزع، وفق إفصاحات الشركة، بين نحو 142 مليون دولار من النحاس و102 مليون دولار من الذهب و57 مليون دولار من المغنيتيت. وفي المقابل، بلغت مدفوعات تازيازت للحكومة الموريتانية 195.9 مليون دولار في 2024 و184.98 مليون دولار في 2025.
وتضع هذه الأرقام حجم القيمة التي يولدها المنجمان في مواجهة ما يعود مباشرة إلى الخزينة، مع ضرورة عدم اعتبار الرقمين الأخيرين مرآة محاسبية كاملة لإيرادات الدولة، لاختلاف تصنيفات الضرائب والإتاوات والرسوم وتوقيت تسجيلها في حسابات الشركات والخزينة.







