الموريتانيون يريدون حكومة قريبة منهم بالفعل لا بالشعارات

نواكشوط – التواصل
مع كل تغيير حكومي، تتجدد آمال الموريتانيين في أن تحمل التشكيلة الجديدة ما يتجاوز تغيير الأسماء وتوزيع الحقائب، وأن تكون بداية مرحلة يشعر فيها المواطن بأن الدولة أقرب إلى انشغالاته، وأكثر إدراكاً لمعاناته، وأشد حرصاً على صون كرامته وتحسين ظروف حياته.
فالموريتانيون لا ينتظرون حكومة تتقن الخطابات وتكثر من الوعود، بل حكومة تنزل إلى الميدان، وتفتح أبواب مكاتبها أمام المواطنين، وتستمع إلى شكاواهم، وتتابع مشكلاتهم، وتتحمل مسؤولياتها بشفافية. يريدون وزراء يعيشون واقع الناس، لا مسؤولين ينظرون إليهم من أبراج عاجية، وكأنهم حكام في عصور غابرة، تفصلهم عن مواطنيهم حواجز البروتوكول ومظاهر الامتياز.
المعيشة أولاً.. فالمواطن لا يعيش بالشعارات
في مقدمة انتظارات المواطنين تأتي معركة المعيشة اليومية؛ فارتفاع أسعار المواد الأساسية، وضعف الرواتب، ومحدودية الدخول، واتساع البطالة، كلها عوامل تضغط على الأسر وتستنزف قدرتها على تلبية أبسط احتياجاتها.
ومن حق المواطن أن يرى في الحكومة فريقاً يعمل على تحسين قدرته الشرائية، ومراجعة الرواتب بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتوفير فرص عمل حقيقية للشباب، وإطلاق مشاريع مدرة للدخل تستوعب الفئات الهشة، ولا سيما النساء المعيلات لأسرهن والعائلات التي تعيش على هامش النشاط الاقتصادي.
وليس من المقبول أن يتحول البحث عن حياة كريمة إلى دافع يدفع الشباب إلى مغادرة وطنهم، والمخاطرة بأرواحهم ومستقبلهم في طرق الهجرة الوعرة. فهؤلاء لا يحتاجون إلى خطابات عن حب الوطن بقدر ما يحتاجون إلى فرص عادلة للعمل، وإمكانات لبناء مستقبلهم في بلدهم، والشعور بأن كفاءتهم وجهدهم يفتحان أمامهم أبواب النجاح.
طرق آمنة ومدارس لائقة.. حقوق لا امتيازات
ومن المطالب التي لم تعد تحتمل التأجيل تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية. فالطرق التي تحصد الحوادث على امتدادها أرواح المواطنين تستدعي عملاً ميدانياً مستمراً، ومراقبة صارمة لجودة الأشغال، والتزاماً بالمواصفات الفنية المعتمدة، وصيانة دورية لا تنتظر وقوع الكارثة حتى تتحرك الجهات المعنية.
ولا يكفي أن تُعلن مشاريع الطرق أو تُدشّن أشغالها في احتفالات رسمية؛ بل ينبغي أن تُنجز وفق معايير الجودة والسلامة، وأن يخضع تنفيذها للرقابة والمحاسبة، وأن يتحمل كل طرف مسؤوليته عن أي تقصير يثبت وقوعه.
وفي التعليم، يريد الموريتانيون مدارس حديثة ومتكاملة، وأقساماً تستجيب للمعايير المطلوبة، ومعلمين مؤهلين ومؤتمنين على مستقبل الأجيال، وظروفاً تربوية تتيح لأبناء الفقراء والأغنياء فرصاً متكافئة في التعلم والنجاح. فمستقبل الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالاستثمار الجاد في الإنسان، من المدرسة إلى الجامعة، ومن التكوين المهني إلى سوق العمل.
وينطبق الأمر نفسه على الصحة والمياه والكهرباء والصرف الصحي؛ إذ لا معنى للتنمية إذا ظل المواطن يواجه صعوبة في الوصول إلى خدمة أساسية، أو يتحمل وحده كلفة ضعف التخطيط وسوء التنفيذ.
الثروات الوطنية.. أين أثرها في حياة المواطنين؟
تمتلك موريتانيا موارد طبيعية واقتصادية متنوعة، من المعادن والثروة السمكية والمواشي إلى الغاز والطاقة، لكن السؤال الذي يطرحه المواطن ليس فقط عن حجم هذه الثروات أو قيمة عائداتها، وإنما عن نصيبه الفعلي من آثارها.
فالمواطن يريد أن يرى انعكاس الثروة الوطنية في دخله، وفرص العمل المتاحة أمام أبنائه، وجودة مدرسته ومستشفاه وطريقه، وفي قدرة الدولة على حماية الفئات الأكثر هشاشة. كما يريد أن يعرف كيف تُدار الموارد العامة، وأين تُوجَّه عائداتها، وما الذي تحقق من المشاريع المعلنة.
إن التنمية ليست أرقاماً تُعرض في التقارير الرسمية، ولا مشاريع تُدرج في البرامج الحكومية ثم تُترك دون متابعة؛ إنها نتائج ملموسة في حياة الناس، وفرص تتسع أمامهم، وخدمات تتحسن، وفوارق تتراجع، وثقة تتعزز بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن الشفافية في الصفقات العمومية ليست مطلباً تقنياً يخص الإدارات وحدها، بل حق للمجتمع في معرفة كيف تُنفق أمواله، ومن ينفذ مشاريعه، وبأي تكلفة، وما إذا كانت النتائج تتناسب مع الموارد المرصودة. فالصفقة التي تُدار في وضوح وتخضع للرقابة تحمي المال العام، أما الغموض وتضارب المصالح فيفتحان الباب أمام الشبهات وهدر الموارد.
لا تنمية بلا محاسبة ولا دولة بلا عدالة
وتظل محاربة الفساد في صدارة مطالب الإصلاح. فالمواطن الذي يسمع عن اختلالات مالية وإدارية، ثم لا يرى نتائج واضحة للتحقيقات أو إجراءات تتناسب مع المخالفات المثبتة، يفقد ثقته في جدوى الرقابة وفي قدرة المؤسسات على فرض القانون.
ولا تعني مكافحة الفساد إطلاق الاتهامات أو إدانة الأشخاص قبل استكمال الإجراءات القانونية، بل تعني التحقيق الجاد في الشبهات، واستقلال الجهات الرقابية والقضائية، واسترداد الأموال العامة حيث يثبت الاستيلاء عليها، وتطبيق العقوبات على كل من تثبت مسؤوليته، دون حماية بسبب النفوذ أو القرابة أو الموقع الوظيفي.
كما لا ينبغي أن تتحول المناصب العامة إلى مكافآت تُوزع على أساس المصاهرة أو الانتماء العائلي أو الجهوي، أو أن يُنظر إلى قرب المسؤول من دوائر السلطة باعتباره بديلاً عن الكفاءة والاستحقاق. فالموريتانيون يريدون دولة تكافئ المجتهد، وتتيح الفرصة لصاحب الكفاءة، وتحاسب المقصر، وتساوي بين المواطنين أمام القانون.
إن مبدأ المكافأة والعقوبة ليس تفصيلاً إدارياً، بل أساس لبناء مؤسسات فعالة. وعندما يشعر المواطن بأن الفرص لا تُمنح على أساس الكفاءة، وأن المحاسبة قد تتوقف عند أصحاب النفوذ، فإن الحديث عن تكافؤ الفرص والمواطنة المتساوية يفقد كثيراً من معناه.
إعلام حر.. ومواطن شريك لا مجرد متلقٍ
ومن بين شروط الإصلاح أيضاً احترام الحريات العامة، وضمان استقلال الإعلام وتمكينه من أداء دوره الرقابي دون إملاءات من الجهاز التنفيذي أو أي جهة أخرى.
فالإعلام ليس جهازاً لتجميل صورة المسؤولين، ولا منصة لترديد الخطاب الرسمي، بل مؤسسة مجتمعية تراقب الأداء العام، وتكشف الاختلالات، وتطرح الأسئلة التي قد لا يرغب بعض المسؤولين في سماعها، وتتيح للمواطنين التعبير عن انشغالاتهم.
والحكومة الواثقة من أدائها لا تخشى النقد المهني، بل تتعامل معه بوصفه فرصة لتصحيح الأخطاء وتدارك أوجه القصور. أما التضييق على الصحافة أو محاولة إخضاعها، فلا يعالج المشكلات التي تكشفها، وإنما يحجبها عن الرأي العام ويؤخر معالجتها.
ويحتاج الموريتانيون كذلك إلى إدارة تصارحهم بالحقائق، وتشرح لهم أسباب الإخفاقات قبل أن تتحول إلى أزمات، وتطلعهم على ما تحقق وما تعثر، وتفتح المجال لمشاركتهم في تحديد الأولويات ومراقبة تنفيذ المشاريع. فالمواطن ليس مجرد متلقٍ للقرارات، بل شريك في بناء الدولة، وصاحب حق في المعلومة والمساءلة.
وطن يتسع لجميع أبنائه
إن الدولة التي ينتظرها الموريتانيون هي دولة لا تترك الفقير وحيداً في مواجهة العوز، ولا المريض أسير العجز عن العلاج، ولا الأسرة الهشة دون حماية، ولا الشاب المؤهل خارج حسابات التوظيف بسبب غياب الوساطة أو ضيق الفرص.
إنها دولة تحمي كرامة مواطنيها، وتضمن المساواة بينهم، وتستثمر في قدراتهم، وتوفر شبكات حماية اجتماعية لمن يحتاجون إليها، وتتعامل مع جميع أبنائها باعتبارهم شركاء في الوطن، لا درجات متفاوتة في سلم الامتيازات.
ولا يمكن بناء هذه الدولة من خلال تغيير الوجوه وحده، كما لا يمكن اختزال الإصلاح في تعيين وزير جديد أو إطلاق برنامج جديد. فالمطلوب تغيير في أساليب التسيير، وفي علاقة المسؤول بالمواطن، وفي طريقة تحديد الأولويات، وفي مدى الاستعداد لتحمل المسؤولية عند الإخفاق.
من حكومة الوعود إلى حكومة النتائج
مع تشكيل الحكومة المقبلة، سيكون الاختبار الحقيقي في قدرتها على الانتقال من لغة الوعود إلى منطق النتائج، ومن إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى الوقاية منها، ومن الدفاع عن الحصيلة الرسمية إلى مواجهة مكامن الخلل بشجاعة ووضوح.
ويريد الموريتانيون قطيعة مع ممارسات التضليل والتعتيم وتقديم الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وبداية عهد جديد قوامه المصارحة والمكاشفة والمشاركة، وتكون فيه الكفاءة معياراً للتعيين، والنزاهة شرطاً لتولي المسؤولية، وخدمة المواطن أساساً لتقييم الأداء.
فالمواطن لا يطلب المستحيل، ولا ينتظر من الحكومة أن تحل جميع المشكلات في يوم واحد؛ إنه يريد أن يرى اتجاهاً واضحاً للإصلاح، وخطوات قابلة للقياس، وأولويات تمس حياته مباشرة، ومسؤولين يستمعون إليه ويحاسَبون على ما ينجزونه أو يقصرون فيه.
وفي النهاية، لا تُقاس قيمة الحكومة بعدد وزرائها، ولا بكثرة اجتماعاتها، ولا بحجم ما تصدره من بيانات، بل بما تحققه للناس من أمن وكرامة وفرص وخدمات، وبمدى قدرتها على حماية المال العام وتكريس العدالة.
فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق اختيار أعضاء الحكومة المقبلة ليس: من سيحصل على هذه الحقيبة أو تلك؟ بل: ماذا سيتغير في حياة المواطن بعد تشكيلها؟ عند هذا السؤال تبدأ السياسة في استعادة معناها، وتصبح السلطة مسؤولية عامة، وتتحول الثروات الوطنية من أرقام في التقارير إلى تنمية يشعر بها الموريتانيون في بيوتهم وشوارعهم ومدارسهم ومستشفياتهم.







