تعليق على رسالة تحت عنوان: لا للخلط بشأن الإرث الإنساني

اطّلعتُ على رسالة تحمل عنوان: “لا للخلط بشأن الإرث الإنساني”، موقعة من طرف مجموعة من السياسيين والمواطنين الذين يقيم جزء كبير منهم في الخارج.
وقد أثارت لديَّ قراءة هذه الوثيقة جملةً من الملاحظات:
1- التركيز على خصوصية ما يسمى بالإرث الإنساني، باعتباره موضوعًا خاصًا بمجموعة بعينها لا يمكن معالجته ضمن انتهاكات حقوق الإنسان في ظل الدولة الوطنية.
تعمل هذه المجموعة على توطين مصطلح “الإرث الإنساني”، وهو مصطلح مستورد من خلال استنساخ حالات تصفيات عرقية وقعت في الدول الإفريقية خلال ثمانينيات القرن الماضي، وتم إدخاله في الخطاب السياسي الموريتاني من قبل نشطاء «أفلام» إبان تأسيس ما يعرف بـ FDUC مع بداية الانفتاح الديمقراطي سنة 1991.
ويبدو أن أصحاب هذا المصطلح أرادوا به إثبات أن ما تعرض له عسكريون من مكونة اتكارير هو تصفية عرقية على أساس الانتماء العرقي، وليس بسبب وضع خاص، وبالتالي فإن مسؤوليته تقع على المكونة الوطنية الأخرى التي ينتمي إليها رئيس الدولة.
وتحاول هذه المجموعة جاهدة تسويق هذا المصطلح الإيديولوجي بكل الوسائل، من أجل أن تفرض استخدامه، على غفلة من السلطات وعلى الطبقة السياسية الموريتانية، مستغلة براءة الجميع وتعاطفهم الطبيعي مع كل مظلوم.
ومن دلائل عدم براءة أصحاب هذا المصطلح الإيديولوجي المستورد، تعلقهم بالمصطلح أكثر من مضمون المظالم التي من المفترض أن تكون معالجتها هي الهدف.
فكل الموريتانيين يتفقون على ضرورة تسوية ما تعرض له الإخوة من مكونة اتكارير، باعتباره ظلمًا تقع مسؤوليته على النظام القائم آنذاك، دون أية مكونة وطنية أخرى.
2- مقاربة الرسالة تغلق الباب أمام معالجة أية حالة من انتهاكات حقوق الإنسان خارج ما تعرضت له مكونة بعينها من مظالم.
ففي الوقت الذي اعترفت فيه هذه الوثيقة بوجود العديد من انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في ظل الدولة الوطنية، والتي تستحق الاعتراف والتسوية، فإنها لا تقبل علاجها في إطار مقاربة شمولية.
وهذا ما يعني الكيل بمكيالين، وهو أمر لا يمكن فهمه.
فمن المعروف أن سجل انتهاكات حقوق الإنسان في موريتانيا مليء بحالات القتل في السجون تحت التعذيب، والتسريح من الوظائف، والتعذيب، والإهانات الجسدية والنفسية التي تعرض لها مواطنون من مختلف الأعراق والأسلاك العسكرية والمدنية.
فهل هناك منطق يجعل بعضها يستحق التسوية وبعضها لا يستحق؟
بمعنى آخر، هل ما حدث من قتل في السجون تحت التعذيب لا يستحق التسوية إذا كان الضحية من خارج مكونة اتكارير؟
كيف يسمح الضمير لسياسيين وطنيين أن يقترحوا مقاربة تعالج انتهاكات حقوق الإنسان بمكيالين حسب هوية الضحية؟
3- الموقعون غير مطلعين على واقع البلد؟
تضمنت الرسالة معلومات مغلوطة، يُفهم منها أن أصحاب مبادرة الرسالة ليسوا مطلعين بما فيه الكفاية على واقع البلد، ذلك لأن أغلبيتهم مجموعة أقامت في الخارج، ودأبت على استدرار دعم بعض المنظمات الصهيونية والتبشيرية من خلال تقديم صورة مسيئة عن موريتانيا والطعن فيها، مقابل امتيازات مادية تمثلت في عقود عمل، ورخص إقامة، وغيرها من الامتيازات والتعويضات المالية.
ويبدو أنهم، بعد جفاف تلك المنابع في أوروبا، اتجهوا إلى موريتانيا لبث سموم خطاب يهدد السلم الاجتماعي.
والغريب أن تلك المجموعة استطاعت استقطاب شخصيات سياسية وطنية تبحث عن قاعدة شعبية تعوض بها عجزها عن التأثير في الرأي العام، بسبب غرابة أفكارها على الحقائق الحضارية والمجتمعية للبلد.
إن العدالة لا تتجزأ، والإنصاف لا يكون انتقائيًا، والحقيقة لا تُبنى على ذاكرة مجزأة، وإنما على الاعتراف بكل الانتهاكات، وبكل الضحايا، وفق طبيعة كل ملف وخصوصيته، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الإيديولوجي.
إن موريتانيا بحاجة إلى مصالحة شاملة تؤسس لمستقبل مشترك، لا إلى استمرار الانقسام حول الماضي. فالوطن لا يُبنى بالمنافسة بين المظالم، ولا باحتكار صفة الضحية، وإنما بالمساواة بين المواطنين، والاعتراف المتبادل بالمعاناة، وسيادة القانون، والوفاء للحقيقة.
وعليه، فإننا ندعو إلى مقاربة وطنية عادلة تقوم على المبادئ الآتية:
1- الحقيقة الكاملة دون انتقائية.
2- العدالة لجميع الضحايا دون تمييز.
3- جبر الضرر لكل من ثبت تضرره وفق القانون.
4- تقييم واستكمال ما تحقق من معالجات سابقة، بما يضمن إغلاق هذا الملف بصورة نهائية وعادلة.
5- رفض أي توظيف سياسي أو إيديولوجي أو عرقي لملف ما يسميه هؤلاء “الإرث الإنساني”.
6- مصالحة وطنية شاملة تحفظ وحدة الشعب الموريتاني، وتغلق ملفات الماضي بصورة عادلة ونهائية.
فلا وحدة وطنية راسخة من دون حقيقة، ولا سلام دائمًا من دون عدالة، ولا مستقبل مشترك من دون مساواة في الاعتراف بجميع الضحايا، بعيدًا عن التوظيف السياسي والإيديولوجي، وبما يصون وحدة موريتانيا وسيادتها وتماسك مجتمعها.
سيدي محمد ولد اخليفه






