السلام مطلوب والاستسلام محظور!!!

لا يختلف اثنان على حاجة الإنسان للسلام كشرط لاستمرار الحياة والمحافظة على نسقها، والتمكن من استخدام العقل لتسخير الطبيعة وما فيها للمزيد من تمتع الإنسان بما في الطبيعة، واستمرار تحسينه لظروفه ومعاشه ومعارفه، وإسعاد النوع البشري وتمكينه من استخدام الطبيعة والمحيط، وتطوير وتجميع المهارات للمزيد من التوسع والاستفادة من قدراته العقلية.
إن أهمية السلام والتعايش والتعاون والتفاعل تتفوق على أي شيء آخر مما يحتاجه الإنسان ومما يسعى إليه. وإن أكثر ما يجب أن يُستخدم له العقل، هذا المخلوق الذي خص الله به الإنسان وكرّمه ورفع قدره، وأودع فيه ما أودع من أسراره وآيات عظمته وإبداع خلقه، هو استخدام هذه الجوهرة المسماة عقلاً لتحقيق السلام بين البشر، وتأكيد استمرار حاجة الإنسان لأخيه الإنسان، وترابط وتداخل المصالح البشرية، وعدم إمكان العيش والحفاظ على النوع وتسخير الطبيعة وما فيها إلا بالتعاون وتبادل الخدمات.
من هنا، كان العمل للسلام والسعي للتقارب بأي شكل من أشكال التقارب، بتطوير العلاقات وبالحوار وتبادل الآراء والبحث عن الصيغ المختلفة، عملاً لا يرقى الشك إلى مبدئيته وإنسانيته ونبله وجماله، ما لم يتضمن غرضاً ينافي مضمون وجوهر فكرة العمل للسلام الذي يخدم الجميع دون استثناء، ولا يتضمن ظلماً ولا يسلب حقاً ولا يتنافى مع الحق والعدل.
فإذا كان الأمر ليس كذلك، وكان هناك من يعتدي ويسلب الناس أملاكهم ويستولي على أموالهم وأراضيهم، فكيف تكون الدعوة للسلام صحيحة وواردة بين من يعتدي ويحتل الأراضي ويملأ الأرض جثثاً وقبوراً وخراباً وأنقاضاً، وبين ضحية هذا الإجرام؟!
إن السلام بين الناس وبين الشعوب غاية كبرى، بشرط أن يقوم على العدل والإنصاف لا على الظلم والقهر. فإذا قام على العدل فإنه مطلب الجميع وحاجتهم. أما إذا كان المطلوب من السلام هو الطلب ممن سُلبت أراضيهم وقُتل شعبهم أن يقيموا السلام مع المغتصب، والتنازل له عما سلب، ونسيان ما هُدم ودُمر وقُتل، فهل يمكن اعتبار هذا سلاماً؟ أم هو الاستسلام في أوضح صوره؟ وهل إذا قبله المستسلمون اليوم ستقبله أجيال المستقبل؟!
إننا بقبولنا لسلام من هذا النوع، نؤجل المعركة ونحيلها إلى من ستقع عليهم المسؤولية من أجيال المستقبل. كان الأولى أن لا نترك لها هذا الإرث الذي سيكون في المستقبل لعنة وعاراً وسبة يتركها هذا الجيل لمن سيأتي بعده. وكان على العقلاء أن لا يندفعوا في وجهة لم يتم تدقيق خطورة مطباتها وعثراتها وما تتضمنه مما لا سبيل لعلاجه!!!
التراد ولد سيدي






