السنغال: سقوط قانون المالية التعديلي… عندما تتحول الميزانية إلى واجهة لصراع السلطة

أحمد محمد حماده
كاتب ومحلل سياسي
لم يكن رفض الجمعية الوطنية السنغالية، يوم الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، مشروع قانون المالية التعديلي مجرد خلاف عابر حول أرقام الميزانية أو أولويات الإنفاق الحكومي. فالتصويت الذي انتهى إلى رفض المشروع بـ109 أصوات مقابل 20، مع ثلاثة ممتنعين، من أصل 132 نائباً شاركوا في التصويت، كشف عن أزمة سياسية تتجاوز مضمون النص المالي، وتضع طبيعة العلاقة بين مؤسسات الحكم في داكار أمام اختبار جديد.
واللافت في هذه الواقعة أن المشروع لم يُرفض بعد نقاش تفصيلي حول مختلف بنوده، وإنما جاء الرفض عبر إجراء برلماني أنهى التداول فيه، بعد تبني سؤال مسبق تقدم به النائب أمادو با. وهذا التفصيل مهم لفهم طبيعة المواجهة؛ فالأغلبية البرلمانية لم تكتف بتسجيل اعتراضاتها على الخيارات المالية للحكومة، بل استخدمت أدواتها الإجرائية لإيقاف المشروع برمته. وقد سبق ذلك رفض لجنة المالية له مرتين، في مؤشر على أن الخلاف لم يكن وليد جلسة التصويت، بل نتيجة تعثر محاولات التفاهم بين الحكومة والبرلمان.
في تقديري، لا يمكن قراءة ما حدث باعتباره مجرد مواجهة بين حكومة تدافع عن خياراتها المالية وأغلبية برلمانية تتحفظ عليها. نحن أمام أزمة ثقة داخل التحالف السياسي الذي أوصل الرئيس باسيرو ديوماي فاي ورئيس الوزراء السابق عثمان سونكو إلى السلطة، قبل أن تتحول خلافاتهما إلى انقسام ينعكس اليوم على عمل مؤسسات الدولة.
لقد كانت العلاقة بين الرجلين، في بدايتها، قائمة على توزيع واضح للأدوار السياسية داخل مشروع واحد، يستند إلى قاعدة شعبية واسعة وتطلعات كبيرة نحو التغيير. لكن ما بدا في مرحلة معينة تحالفاً متماسكاً لم يصمد أمام تعقيدات ممارسة السلطة واختلاف التصورات بشأن إدارتها. ومنذ إقالة سونكو من رئاسة الحكومة وتعيين أحمد الأمين لو خلفاً له، في مايو 2026، أخذ الخلاف يتجاوز حدود التباين السياسي المعتاد، ليتحول إلى تنافس على النفوذ ومراكز القرار داخل النظام نفسه.
وتكمن خصوصية الوضع الحالي في أن سونكو، رغم خروجه من الجهاز التنفيذي، لم يفقد موقعه السياسي، بل انتقل إلى رئاسة الجمعية الوطنية، محتفظاً بقيادة حزب باستيف الذي يمتلك أغلبية مريحة داخل البرلمان. وفي المقابل، يمارس الرئيس فاي صلاحياته التنفيذية من خلال حكومة يقودها رئيس وزراء لا يحظى بتوافق سياسي كامل مع الأغلبية البرلمانية التي يفترض أن تشكل سنداً لها.
وهكذا نشأت معادلة غير مألوفة في المشهد السنغالي: رئيس يمتلك الشرعية الانتخابية والصلاحيات الدستورية، وزعيم سياسي يحتفظ بنفوذ واسع داخل البرلمان وقاعدة شعبية مؤثرة. وبين المؤسستين، تبدو الحكومة في وضع بالغ الحساسية، إذ تجد نفسها مطالبة بتنفيذ برنامجها المالي والاقتصادي في ظل أغلبية برلمانية لا تتبنى بالضرورة خياراتها.
ولم تكن الميزانية بداية الخلاف، وإنما أصبحت إحدى أبرز ساحاته. فقد سبقتها توترات بشأن التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان في يونيو الماضي، والتي استهدفت إعادة النظر في بعض صلاحيات رئيس الجمهورية، قبل أن يلجأ فاي إلى المجلس الدستوري للطعن فيها. وقد شكل هذا المسار محطة أخرى في تباعد مواقف الطرفين، وأظهر أن الخلاف لم يعد متعلقاً بتدبير الملفات الحكومية وحدها، بل امتد إلى طبيعة توزيع السلطة وحدود صلاحيات مؤسساتها.
وفي هذا السياق، يصبح رفض قانون المالية التعديلي أكثر من مجرد تصويت ضد مشروع حكومي؛ إنه رسالة سياسية تعكس قدرة الأغلبية البرلمانية على تعطيل خيارات السلطة التنفيذية، وتضع الحكومة أمام ضرورة مراجعة حساباتها، أو البحث عن مسارات دستورية لتجاوز الانسداد.
وقد حاول رئيس الوزراء أحمد الأمين لو الدفاع عن مشروعه بالاستناد إلى حجم الضغوط المالية التي تواجهها الدولة، موضحاً أن الحكومة اضطرت إلى خفض اعتمادات الاستثمار بنحو 555 مليار فرنك أفريقي. ومن وجهة نظر الحكومة، لا يتعلق الأمر بتراجع عن الالتزامات التنموية بقدر ما يتعلق بمحاولة التكيف مع واقع مالي أكثر صعوبة، تراجعت فيه الإيرادات المتوقعة وارتفعت فيه الأعباء المرتبطة بالدعم وخدمة الدين.
أما حزب باستيف، فقد قدم اعتراضه باعتباره دفاعاً عن توازنات الإنفاق وحماية للقدرة الشرائية للمواطنين، مع التشكيك في بعض الفرضيات التي بني عليها المشروع، وفي مدى واقعية التقديرات المالية الواردة فيه. كما أثار نوابه مسألة عدم حصول البرلمان، بحسب تصريحاتهم، على جميع الوثائق والمعطيات الضرورية لتقييم الوضع المالي للدولة.
وبين رواية الحكومة وموقف الأغلبية، تبرز مسألة أساسية لا ينبغي إغفالها: هل يتعلق الخلاف فعلاً بأفضل طريقة لمعالجة الأزمة المالية، أم أن الاعتبارات السياسية أصبحت تؤثر في تحديد المواقف من الخيارات الاقتصادية؟ لا يمكن الجزم بأن أحد العاملين منفصل عن الآخر، لكن من الواضح أن الأزمة المالية تحولت إلى مجال تتقاطع فيه الحسابات الاقتصادية مع التنافس السياسي.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن هذا التجاذب يجري في ظرف مالي لا يسمح للسنغال بهامش واسع من المناورة. فقد كشفت مراجعات الحسابات العامة عن اختلالات كبيرة في أرقام الدين والاقتراض، وأظهرت المعطيات المتاحة أن الدين العمومي بلغ نحو 132% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2024، بعد اكتشاف التزامات مالية واقتراضات لم تكن معلنة بصورة كاملة في السابق. وقد كان لهذا الكشف أثر مباشر في علاقة داكار بصندوق النقد الدولي، الذي جمد برنامجه التمويلي السابق، لتدخل البلاد في مفاوضات شاقة بحثاً عن ترتيب جديد يعيد الثقة في ماليتها العامة.
ومن هنا يمكن فهم إصرار الحكومة على خفض العجز وإعادة ضبط الإنفاق. فالدولة التي تواجه هذا المستوى من المديونية لا تستطيع الاستمرار في تدبير ماليتها العامة كما لو أن الأزمة غير موجودة. كما أن استعادة ثقة الدائنين والشركاء الماليين تتطلب إجراءات ملموسة، لا مجرد إعلان نوايا أو تقديم توقعات متفائلة.
لكن الاعتراف بضرورة الإصلاح المالي لا يعني أن جميع الخيارات المطروحة لمعالجته متساوية في آثارها أو تكلفتها الاجتماعية. فخفض الاستثمار العام وتقليص الإنفاق الموجه إلى القطاعات الاجتماعية في بلد يواجه تحديات البطالة، خصوصاً بين الشباب، قد ينعكس على فرص التشغيل وجودة الخدمات الأساسية واستمرارية المشاريع التنموية.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: كيف يمكن للدولة أن تضبط نفقاتها وتحد من عجزها، من دون أن تجعل المواطنين يدفعون وحدهم ثمن الاختلالات المالية؟ وكيف يمكن التوفيق بين متطلبات الوفاء بالالتزامات المالية الخارجية والحفاظ على الوعود الاجتماعية التي قامت عليها التجربة السياسية الجديدة؟
إن التقشف، حين يصبح غاية في حد ذاته، قد يتحول إلى عامل يضعف النمو ويحد من قدرة الاقتصاد على خلق الموارد التي تحتاج إليها الدولة. وفي المقابل، فإن رفض إجراءات التصحيح المالي دون تقديم بدائل قابلة للتنفيذ لا يؤدي إلا إلى تأجيل المشكلة، وربما تعميقها.
لذلك، فإن النقاش حول الميزانية ينبغي ألا يختزل في ثنائية الحكومة التي تريد خفض الإنفاق، والأغلبية التي ترفض التخفيضات. فالمطلوب هو تقييم موضوعي لبنود المشروع، وتحديد ما يمكن ترشيده دون الإضرار بالاستثمار المنتج والخدمات الأساسية، والبحث عن موارد إضافية، وتحسين كفاءة التحصيل الضريبي، ومراجعة أوجه الإنفاق التي لا تمثل أولوية في هذه المرحلة.
ولا تنفصل هذه الاعتبارات عن البعد الدولي للأزمة. فالسنغال توصلت في سبتمبر 2026 إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد الدولي بشأن برنامج تمويل يمتد ثلاث سنوات وتبلغ قيمته نحو 2.2 مليار دولار. غير أن هذا الاتفاق لا يزال مشروطاً باستكمال الإجراءات التصحيحية والحصول على موافقة إدارة الصندوق ومجلسه التنفيذي، فضلاً عن توفير الضمانات التمويلية اللازمة.
ومن ثم، فإن تعثر إقرار الميزانية لا يمثل مشكلة داخلية فحسب، بل يثير تساؤلات بشأن قدرة السلطات السنغالية على تنفيذ الالتزامات التي قطعتها في إطار المفاوضات مع المؤسسة المالية الدولية. فالمصداقية المالية لا تقاس بالأرقام الواردة في الوثائق الرسمية وحدها، وإنما كذلك بمدى قدرة المؤسسات على التوافق حولها وتنفيذها بصورة مستقرة.
وقد حذر وزير المالية الشيخ ديبا من أن استمرار تعطيل المشروع قد ينعكس على صورة البلاد لدى المواطنين والقطاع الخاص والشركاء الدوليين. كما ربطت الحكومة بين عدم إقرار الميزانية ومخاطر تتعلق بإمدادات الكهرباء وتسديد مستحقات الشركات والوفاء ببعض الالتزامات المالية، بما فيها مستحقات مرتبطة بقطاع التعليم.
ومع أن هذه التحذيرات ينبغي قراءتها في سياق النقاش السياسي ومحاولة الحكومة إقناع النواب بتمرير المشروع، فإنها تكشف في الوقت ذاته عن ضيق هامش المناورة المالية أمام الدولة. فحين تصبح استمرارية بعض الالتزامات العامة مرتبطة بتسوية الخلاف حول قانون مالي، فإن المسألة تتجاوز حدود المناكفة السياسية لتلامس انتظام عمل الدولة ومصالح المواطنين.
أما على المستوى السياسي، فإن تلويح سونكو برفض ميزانية 2027 إذا استمرت الحكومة في تقليص الإنفاق الاجتماعي والاستثمار العام، يشير إلى أن الأزمة مرشحة للانتقال من خلاف حول ميزانية سنة مالية واحدة إلى مواجهة أوسع بشأن الخيارات الاقتصادية للحكومة وموقع الأغلبية البرلمانية في تحديدها.
وهنا يبرز سؤال جوهري: من يملك الكلمة الفصل في رسم التوجهات الاقتصادية للدولة؟ هل هي الرئاسة والحكومة باعتبارهما المسؤولتين عن تنفيذ السياسات العامة، أم الأغلبية البرلمانية التي تملك سلطة مناقشة الميزانية والمصادقة عليها أو رفضها؟ من الناحية الدستورية، لكل مؤسسة اختصاصاتها ومسؤولياتها، لكن الممارسة السياسية تفرض قدراً من التنسيق والتفاهم حتى لا تتحول الصلاحيات الدستورية إلى أدوات متبادلة لتعطيل العمل الحكومي.
أما استخدام الآليات الدستورية لتجاوز الأزمة، فقد يوفر مخرجاً إجرائياً في بعض الحالات، لكنه لا يضمن معالجة أسبابها السياسية. كما أن أي حديث عن حل الجمعية الوطنية أو اللجوء إلى صلاحيات استثنائية ينبغي أن يستند إلى قراءة دقيقة للنصوص الدستورية والقيود الزمنية والإجرائية التي تحكم استخدامها، لا إلى حسابات اللحظة السياسية وحدها.
وفي تقديري، فإن استمرار حالة الجمود قد يضع السنغال أمام سلسلة من التداعيات المتداخلة: تأخر التفاهم مع صندوق النقد الدولي، وصعوبة استكمال ترتيبات التمويل، وتراجع ثقة المستثمرين، فضلاً عن اضطرار الحكومة إلى إدارة بعض النفقات والالتزامات من خلال تدابير مؤقتة قد لا توفر الاستقرار المطلوب.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في تعثر مشروع قانون مالي بمفرده، وإنما في إمكانية تحول هذا التعثر إلى نمط دائم في العلاقة بين مؤسسات الحكم. فالدول لا تواجه الأزمات الاقتصادية بالأرقام والقرارات المالية فقط، بل تحتاج أيضاً إلى حد أدنى من التوافق السياسي الذي يسمح بتنفيذ تلك القرارات ومراجعتها عند الضرورة.
والسنغال، التي ظلت لسنوات تُقدم باعتبارها إحدى التجارب الديمقراطية ذات الاستقرار النسبي في غرب أفريقيا، تجد نفسها اليوم أمام اختبار يتجاوز مسألة تمرير الميزانية إلى اختبار قدرة نظامها السياسي على إدارة الاختلاف داخل السلطة نفسها.
وفي خضم هذه المواجهة، يبقى المواطن السنغالي الطرف الأكثر عرضة لتحمل الكلفة. فهو لا يعنيه كثيراً من يحقق مكسباً سياسياً داخل البرلمان أو من يفرض خياراته داخل الحكومة، بقدر ما تعنيه قدرته على الوصول إلى الخدمات الأساسية، والحصول على فرص العمل، والحفاظ على قدرته الشرائية، والعيش في ظل دولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها.
ومن الخطأ أن يتصور أي طرف أن إضعاف الطرف الآخر يمثل بالضرورة انتصاراً له. فالرئيس لا يستطيع تجاهل الأغلبية البرلمانية، كما أن الأغلبية لا تستطيع أن تتحمل وحدها مسؤولية إدارة الدولة من خارج السلطة التنفيذية. وبين الطرفين توجد مؤسسات ومصالح عامة واقتصاد ومجتمع لا يمكن وضعها رهينة للخلافات السياسية.
إن المطلوب في هذه المرحلة ليس تسوية شكلية تسمح بتمرير الميزانية ثم تعيد الأزمة إلى نقطة البداية، وإنما تفاهم سياسي يعيد تحديد قواعد العلاقة بين الرئاسة والحكومة والبرلمان، ويضع أولويات المرحلة المقبلة في إطار من المسؤولية المشتركة.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يبدأ هذا التفاهم بمراجعة التخفيضات التي تمس القطاعات الاجتماعية والاستثمارات ذات المردودية التنموية، مقابل تعزيز تعبئة الموارد، وتحسين التحصيل الضريبي، وترشيد النفقات غير الضرورية، وتقديم معطيات مالية واضحة وموثوقة للبرلمان. فالإصلاح المالي يحتاج إلى الشفافية بقدر حاجته إلى الانضباط، وإلى العدالة في توزيع أعبائه بقدر حاجته إلى خفض العجز.
أما سياسياً، فإن تجاوز الأزمة يقتضي أن يدرك كل من فاي وسونكو أن إدارة الدولة لا يمكن أن تقوم على منطق الغلبة، وأن الخلافات داخل التحالف الحاكم لا ينبغي أن تتحول إلى صراع يهدد انتظام المؤسسات ومصداقية البلاد.
ما حدث في داكار يوم 3 نوفمبر ليس مجرد سقوط لقانون مالية تعديلي، بل تعبير عن أزمة أعمق في إدارة السلطة وتحديد الأولويات وتوزيع المسؤوليات. وقد تكون الميزانية هي عنوان المواجهة الراهنة، لكن جذورها تكمن في سؤال لم تحسمه التجربة السياسية السنغالية بعد: كيف يمكن الانتقال من تحالف انتخابي جمع أطرافاً مختلفة إلى شراكة حقيقية في إدارة الدولة؟
ذلك هو التحدي الذي تواجهه السنغال اليوم. فالإصلاح المالي لا يمكن أن ينجح في ظل انقسام مؤسسي مستمر، والاستقرار السياسي لا يمكن أن يستند إلى تجاهل الاختلالات الاقتصادية. وبين هذين المسارين، تظل الحاجة ملحة إلى توافق يعيد الاعتبار للمصلحة العامة، ويمنع تحول مؤسسات الدولة إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية.
فالدولة أكبر من أحزابها، ومصالح المواطنين أوسع من خلافات قادتها. وهذه، في نهاية المطاف، هي الحقيقة التي ينبغي أن يستحضرها الجميع قبل أن تتحول أزمة الميزانية إلى أزمة حكم.







