حروب تستنزف المنطقة.. هل تتحرك نواكشوط والجزائر لصناعة السلام؟

تواجه المنطقة العربية تحديات سياسية وأمنية متشابكة، تتراوح بين الحروب المفتوحة والانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى توجيه الموارد والإمكانات نحو التنمية وتحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز الاستقرار.
ففي اليمن وليبيا والسودان، تتواصل تداعيات النزاعات المسلحة، بما تحمله من خسائر بشرية ومادية، وما تسببه من تراجع في مؤسسات الدولة وتعطيل لمسارات التنمية. وفي فلسطين، تتفاقم المعاناة الإنسانية، ولاسيما في قطاع غزة، في ظل استمرار الاحتلال وتعثر التسوية السياسية والانقسام الفلسطيني الداخلي. وعلى مستوى أوسع، تظل التوترات بين الولايات المتحدة وإيران مصدر قلق بشأن أمن المنطقة واحتمالات اتساع المواجهة.
ولا تقتصر كلفة هذه الأزمات على البلدان المعنية، بل تمتد إلى محيطها العربي والإفريقي، من خلال تهديد أمن الحدود والممرات البحرية، وتعطيل المبادلات التجارية والاستثمارات، وزيادة الضغوط الإنسانية والاقتصادية، وإضعاف فرص التعاون الإقليمي.
إن استمرار هذه الأوضاع يستدعي مراجعة جدية لفاعلية الجهود المبذولة، والبحث عن مقاربات دبلوماسية أكثر تنسيقاً وقدرة على الانتقال من احتواء الأزمات إلى معالجة أسبابها.
ومن هذا المنطلق، تدعو «التواصل» الرئيسين الموريتاني والجزائري إلى النظر في إمكان إطلاق تحرك دبلوماسي مشترك لدعم الحوار وتسوية النزاعات، بالتنسيق مع الدول المعنية والمنظمات الإقليمية والدولية، وبما يراعي خصوصية كل أزمة وحدود التأثير المتاح لكل طرف.
اليمن: تسوية تنهي الحرب وتحفظ أمن المنطقة
في اليمن، أدى استمرار النزاع إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الانقسامات الداخلية وتفاقم الأوضاع الإنسانية، فيما امتدت تداعيات الحرب إلى أمن دول الجوار والممرات البحرية الحيوية.
وأظهرت سنوات الصراع أن الحل العسكري وحده لا يوفر ضمانات كافية لإرساء استقرار مستدام، وأن التسوية تتطلب معالجة الخلافات الداخلية وفتح مسار سياسي يشارك فيه اليمنيون، بالتوازي مع جهود إقليمية لخفض التصعيد ومعالجة المخاوف الأمنية المتبادلة.
وفي هذا السياق، يمكن لموريتانيا والجزائر الإسهام في دعم الاتصالات الدبلوماسية الرامية إلى استئناف الحوار، وتشجيع المبادرات التي تساعد على تقريب وجهات النظر، وصولاً إلى تسوية تحفظ وحدة اليمن وسيادته وتراعي المصالح الأمنية المشروعة لدول المنطقة.
ليبيا: توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام
وفي ليبيا، لا يزال الانقسام السياسي والأمني وتعدد مراكز النفوذ يعرقلان استكمال بناء مؤسسات الدولة، ويحدان من قدرة البلاد على استثمار مواردها في التنمية وتحسين الخدمات.
وتتطلب معالجة الأزمة دعماً لمسار سياسي ليبي جامع يفضي إلى مؤسسات موحدة وشرعية مستقرة، ويتيح لليبيين تقرير مستقبلهم بعيداً عن الإقصاء، مع الحد من التدخلات الخارجية التي تسهم في إدامة الانقسام.
ويمكن للتحرك الموريتاني الجزائري أن يساند جهود التسوية القائمة، بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية والأمم المتحدة، وأن يشجع الأطراف الليبية والدول المؤثرة في الملف على تغليب التوافق السياسي على حسابات الصراع والنفوذ.
السودان: وقف الحرب واستعادة مقومات الدولة
يواجه السودان أزمة واسعة النطاق منذ اندلاع الحرب، أدت إلى دمار كبير ونزوح أعداد كبيرة من السكان، وتضرر البنية التحتية، وتراجع النشاط الاقتصادي، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.
وتكتسب الأزمة أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الجغرافي للسودان، وامتداد علاقاته العربية والإفريقية، وما يمتلكه من أراض زراعية وموارد مائية وثروة حيوانية وإمكانات إنتاجية تؤهله للإسهام في الأمن الغذائي العربي.
لقد كان السودان مؤهلاً لأداء دور مهم في توفير الغذاء وتعزيز التكامل الاقتصادي العربي، غير أن استمرار الحرب يبدد هذه الإمكانات، ويزيد الأعباء على السكان والدول المجاورة، ويهدد بتوسيع نطاق عدم الاستقرار.
وتقتضي الأولوية وقف القتال، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، بالتوازي مع إطلاق عملية سياسية سودانية جامعة تعالج أسباب النزاع، وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس مستقرة.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى تنسيق جهود الوساطة العربية والإفريقية والدولية، بما يمنع تضارب المبادرات ويزيد فرص التوصل إلى تسوية. ويمكن لموريتانيا والجزائر دعم هذا المسار من خلال التشاور مع الأطراف المعنية والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية والأمم المتحدة، مع احترام إرادة السودانيين في تحديد مستقبل بلادهم.
إن استعادة استقرار السودان ليست مسؤولية إنسانية وسياسية فحسب، بل تمثل أيضاً مصلحة استراتيجية للدول العربية، بالنظر إلى إمكاناته الزراعية ودوره المحتمل في دعم الأمن الغذائي والتكامل الاقتصادي.
فلسطين: حماية المدنيين وإنهاء الاحتلال واستعادة الأمن
في فلسطين، تفرض الأوضاع في قطاع غزة تحركاً عاجلاً لتخفيف المعاناة الإنسانية، وضمان دخول المساعدات، وحماية المدنيين، والعمل على وقف الحرب ومعالجة آثارها.
ولا ينفصل هذا الواجب عن ضرورة تحرك سياسي ودبلوماسي مستمر لإنهاء الاحتلال، وصون الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وتهيئة الظروف لتسوية عادلة تضمن حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
ويستدعي ذلك تكثيف الجهود العربية والإسلامية والدولية، والضغط الدبلوماسي على الاحتلال من أجل وقف الحرب، واحترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ورفع القيود التي تحول دون وصول المساعدات، وتهيئة الظروف أمام مسار جاد ينهي الاحتلال ويحقق تطلعات الشعب الفلسطيني.
وتستند هذه الجهود إلى مبادئ وقرارات دولية ذات صلة، من بينها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والقرارات الأممية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، بما فيها القرارات المرتبطة بإنهاء الاحتلال والتوصل إلى تسوية على أساس حل الدولتين. ولا ينبغي اختزال الحقوق الفلسطينية في قرار دولي واحد، بل يتعين تناولها ضمن مجمل المرجعيات القانونية والسياسية ذات الصلة.
وفي الوقت نفسه، يظل الانقسام الفلسطيني الداخلي تحدياً يتطلب حواراً جاداً بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس وبقية الفصائل، بهدف توحيد القرار الوطني وتعزيز القدرة على إدارة المرحلة المقبلة على أساس المصالح الفلسطينية المشتركة.
ولا يمكن لأي تحرك عربي فاعل أن يكتفي بالجانب الإنساني، على أهميته، أو أن يؤجل البحث في الأفق السياسي للقضية. فالإغاثة ضرورة عاجلة، لكن معالجة أسباب المعاناة وإنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الوطنية الفلسطينية تظل عناصر أساسية لأي تسوية مستدامة.
ويمكن لموريتانيا والجزائر، بالتنسيق مع الدول العربية والإسلامية والأطراف الدولية المعنية، دعم الجهود الرامية إلى وقف الحرب، وتوفير الحماية والمساعدات، وتكثيف الضغط الدبلوماسي، وتوسيع فرص التوصل إلى تسوية تستند إلى القانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة، وتضمن للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.
واشنطن وطهران: العمل على منع اتساع المواجهة
تشكل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران أحد العوامل المؤثرة في أمن الشرق الأوسط والمنطقة، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة واستقرار الدول المجاورة، بل وعلى الاقتصاد العالمي.
إن استمرار المواجهة أو تحولها إلى حرب واسعة قد يفاقم المخاطر الأمنية والاقتصادية، ويضع دول المنطقة أمام تداعيات يصعب احتواؤها. ولذلك، فإن دعم المسار الدبلوماسي وتشجيع المفاوضات يظلان خيارين ضروريين لتقليص احتمالات التصعيد.
ولا يعني ذلك التقليل من عمق الخلافات بين واشنطن وطهران، أو تجاهل المخاوف الأمنية لدول المنطقة، بل يستدعي العمل على تسوية تفاوضية تتناول القضايا محل الخلاف، وتدعم مبادئ حسن الجوار، وتحترم سيادة الدول ومصالحها المشروعة.
ويمكن للدبلوماسية العربية أن تؤدي دوراً مسانداً في تشجيع الحوار، بالتنسيق مع الأطراف الدولية والإقليمية القادرة على التأثير، ودعم قنوات الاتصال والوساطة، بما يساعد على منع انتقال الخلافات الثنائية إلى مواجهة إقليمية أوسع.
لماذا مبادرة موريتانية جزائرية؟
إن مخاطبة الرئيسين الموريتاني والجزائري تنطلق من إمكانية توظيف العلاقات العربية والإفريقية والدولية للبلدين في دعم جهود الوساطة، لا من افتراض امتلاكهما وحدهما أدوات حسم هذه الأزمات.
فموريتانيا والجزائر تنتميان إلى الفضاءين العربي والإفريقي والعالم الإسلامي، وهو ما يتيح لهما البحث عن مساحات مشتركة للتحرك عبر الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي، والتشاور مع الدول المعنية والشركاء الدوليين.
كما أن تعقيد النزاعات المطروحة لا يسمح بتصور حل واحد لجميع الملفات، أو بمبادرة تتجاوز الأطراف المعنية أو تحل محل الجهود الدبلوماسية القائمة. والمطلوب، بدلاً من ذلك، هو بناء مسار منسق يحدد مجالات التحرك الممكنة، ويستفيد من المبادرات القائمة، ويعمل على سد الثغرات التي تعيق الوصول إلى التسويات.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تبدأ المبادرة بمشاورات ثنائية بين نواكشوط والجزائر العاصمة، تتناول إمكانات الوساطة في كل ملف، وتحدد الأولويات والجهات التي ينبغي التواصل معها، قبل الانتقال إلى التشاور مع الشركاء العرب والأفارقة والدوليين.
وقد تقود هذه المشاورات إلى دعم مسارات تفاوض منفصلة، أو إلى اجتماعات تشاورية تضم الدول المعنية، أو إلى تنسيق دبلوماسي أوسع يهدف إلى خفض التصعيد وتوسيع فرص التسوية.
من استنزاف الموارد إلى الاستثمار في الإنسان
إن الكلفة الأعمق لاستمرار الحروب لا تقاس فقط بحجم الدمار والخسائر الاقتصادية المباشرة، بل أيضاً بالفرص التي تضيع على الأجيال في التعليم والعمل والبحث العلمي والإنتاج.
فالبلدان التي تستنزف مواردها في الصراعات تجد نفسها أقل قدرة على تطوير بنيتها التحتية، وتحسين خدماتها الصحية والتعليمية، واستثمار ثرواتها الطبيعية، وخلق فرص العمل لشبابها.
وفي المقابل، يتطلب بناء اقتصادات قادرة على المنافسة توفير بيئة مستقرة، وتطوير المؤسسات، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز التعاون العلمي والتكنولوجي. وهي أهداف يصعب تحقيقها في ظل الحروب الممتدة والانقسامات التي تعطل حركة التجارة والاستثمار وتستنزف الموارد العامة.
ويبرز السودان مثالاً على الترابط بين الاستقرار والأمن الغذائي، كما تظهر أزمات اليمن وليبيا وفلسطين أن غياب التسويات السياسية يفاقم المعاناة الإنسانية ويعرقل استعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ومن ثم، فإن دعم السلام والأمن ليس منفصلاً عن أولويات التنمية، بل يشكل أحد شروطها الأساسية. كما أن توجيه الجهود العربية نحو إعادة الإعمار والإنتاج والتكامل الاقتصادي يمكن أن يحول التسويات السياسية من مجرد وقف للقتال إلى فرصة لبناء استقرار مستدام.
نداء إلى تحرك واقعي ومتدرج
فخامة الرئيسين،
إن المقترح المطروح أمامكما ليس دعوة إلى إطلاق مبادرة سياسية واسعة دون حساب للإمكانات والعقبات، ولا افتراضاً بأن تعدد الاتصالات الدبلوماسية كفيل وحده بإنهاء نزاعات معقدة. إنه دعوة إلى استكشاف ما يمكن أن يحققه التنسيق الموريتاني الجزائري من قيمة مضافة في جهود الوساطة والتسوية.
وفي هذا السياق، تقترح «التواصل» النظر في ثلاث خطوات عملية:
أولاً: إطلاق مشاورات دبلوماسية موريتانية جزائرية لتقييم الأزمات ذات الأولوية، وتحديد المجالات التي يمكن للبلدين الإسهام فيها بصورة مشتركة أو منفردة.
ثانياً: التواصل مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، وتنسيق الجهود مع الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، لدعم مسارات الحوار القائمة، وتجنب تضارب المبادرات أو تكرارها.
ثالثاً: اعتماد مقاربة متدرجة تركز على أهداف قابلة للتحقيق، مثل خفض التصعيد، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، وإعادة فتح قنوات التفاوض، وصولاً إلى تسويات سياسية تعالج أسباب النزاعات وتحفظ وحدة الدول وسيادتها.
ويمكن أن تتطور هذه الخطوات، إذا أظهرت المشاورات جدواها، إلى مبادرة دبلوماسية أوسع تضم دولاً وشركاء آخرين، على أن يكون معيار نجاحها ما تحققه من نتائج ملموسة، لا حجم التصريحات المصاحبة لها.
إن مثل هذا التحرك يتطلب الصبر والاستمرارية والاستعداد للتعامل مع اختلاف المصالح والمواقف، كما يستدعي إدراك أن بعض التسويات قد تحتاج إلى وقت طويل، وأن نجاح الوساطة لا يتوقف على الرغبة فيها وحدها، بل يرتبط أيضاً باستعداد الأطراف المعنية للتفاوض وتقديم التنازلات اللازمة.
ومع ذلك، فإن صعوبة الطريق لا تلغي الحاجة إلى سلوكه، ولا تبرر ترك الأزمات تتفاقم دون محاولة لتوسيع فرص الحل السياسي.
السلام شرط للتنمية والاستقرار
إن المنطقة العربية ليست محكومة باستمرار الحروب، كما أن مواردها وإمكاناتها لا ينبغي أن تظل رهينة الانقسامات والصراعات المفتوحة.
فاليمن وليبيا والسودان وفلسطين تحتاج إلى مسارات سياسية مختلفة، لكنها تشترك في الحاجة إلى تحرك جاد يخفف المعاناة، ويحمي المدنيين، ويعيد الاعتبار إلى الحوار، ويفتح الطريق أمام استعادة مؤسسات الدولة والتنمية.
كما أن منع اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران يمثل مصلحة إقليمية تتجاوز حدود البلدين، ويستدعي تشجيع الحلول الدبلوماسية التي تراعي أمن المنطقة واستقرارها.
ومن هذا المنطلق، فإن مبادرة موريتانية جزائرية منسقة، إذا قامت على تقييم واقعي للإمكانات، والتشاور مع الأطراف المعنية، والتعاون مع المؤسسات الإقليمية والدولية، يمكن أن تشكل مساهمة تستحق الدراسة في دعم جهود السلام.
إن المطلوب ليس أن تتحمل نواكشوط والجزائر العاصمة مسؤولية حل جميع أزمات المنطقة، وإنما أن تستكشفا ما تستطيعان تقديمه، وأن توظفا علاقاتهما وإمكاناتهما في دعم التسويات، وأن تسهما في إعادة الاعتبار إلى العمل العربي والإفريقي المشترك.
فالتنمية لا تزدهر في بيئة الحروب، والأمن لا يستقر مع استمرار النزاعات، والموارد الطبيعية لا تتحول تلقائياً إلى رفاه للشعوب ما لم تتوافر المؤسسات والاستقرار والإرادة السياسية.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الحوار والوساطة والتسويات السياسية ليس خياراً ثانوياً، بل ضرورة استراتيجية لحماية الإنسان، وصون مقدرات الدول، وتهيئة الظروف أمام أجيال المنطقة لبناء مستقبل أكثر استقراراً وإنتاجاً.
إنها دعوة إلى تحرك دبلوماسي واقعي ومتدرج، يجعل من تسوية النزاعات أولوية، ومن حماية المدنيين هدفاً عاجلاً، ومن السلام مدخلاً إلى التنمية والبناء.
التواصل






