مقالات وآراء

العمدة السابق ولد بمبه يكتب: مقصلة المترشحين

لئن تمكنت المعارضة اليوم من إزاحة عقبة الدعوة إلى المأمورية الثالثة من الجدول المعلن للحوار المزمع، فكيف ستنجو من مقصلة الانتخابات المتحكم في نتائجها بشكل مسبق، غدا؟
مع الإعلان عن الدستور والقوانين النظامية المنبثقة عنه سنة 1991،قامت السلطة العسكرية المسيطرة في تلك الفترة بإنشاء حزب سياسي أريد له أن يهيمن على جميع المؤسسات الدستورية المنتخبة من خلال عملية توزيع أدوار محكمة؛ فعلى رجال الأعمال المستفيدين من صفقات الدولة تمويل أنشطته و حملاته الانتخابية بسخاء، وعلى شيوخ وأعيان القبائل تشكيل قاعدته الناخبة، أما السياسيون الداعمون للسلطة، من مختلف الأطياف الإيديولوجية التي كانت قائمة حينها كحركات سياسية سرية، فتولوا من جانبهم صياغة الخطاب والدعاية لهذا الحزب، في حين عهد إلى الإدارة بالعمل على حمايته والتمكين له.
وتوالت بعد ذلك نسخ لهذا الحزب، تتجدد، مع كل عملية انتخاب لرئيس جمهورية جديد، الأمر الذي جعل بقية الأحزاب التي تكونت خلال العقود المنصرمة، داعمة للسلطة السياسية القائمة أو معارضة لها، تتحول إلى مجرد ديكور يظهر شكل تعددية حزبية في بلادنا، المراد منها في الحقيقة أن تشكل قناعا كثيفا لحجب حقيقة وجود حزب سياسي أحادي مهمين على جميع المؤسسات المنتخبة، وعلى الإدارة، باعتبار الانتماء إليه هو المدخل الرئيس للتعيينات والترقيات الإدارية.
انسجاما مع شروط هيمنة الحزب التابع للسلطة السياسية المسيطرة، ظلت نتائج كل الاستحقاقات الانتخابية تحضر وترسم بشكل مسبق بالتعاون بين الإدارة وهذا الجهاز الحزبي، عبر خطوات تتكرر باستمرار، من أبرزها:
-ترحيل الناخبين من المراكز الحضرية غير المسيطر على ولائها تماما للتسجيل في مكاتب تجمعات وقرى يشرف عليها وجهاء تقليديون ومسؤولون سامون في أجهزة الدولة لضمان التحكم المطلق في نتائج الاقتراعات، عبر الإغراءات المادية وعاطفة الانتماء القبلي المشترك،
وينتج عن هذه الممارسة مفاسد لا حصر لها، فهي التجسيد الفعلي لاعتبار العملية الانتخابية مجرد لعبة سخيفة تفتقد أدنى معايير الأخلاقية؛ فبمقتضاها، تتخلى، دون وعي ،كتل هامة من الناخبين عن دورها المؤثر في اختيار من يمثلها أو يدير شؤونها على مستوى دائرة سكنها الفعلي مقابل فتات لا يسمن ولا يغني من جوع في يوم واحد أو استجابة لعاطفة قرابة هوجاء و مدمرة، وفي نفس الوقت، لا تدرك هذه الجموع أنها تستغل كأداة من طرف من سجلها ونقلها في شاحنات وباصات لينفذ بواسطتها أكبر عملية قرصنة واعتداء على إرادة سكان مدينة من وطنهم، كان سكانها يطمحون لاختيار من يمثلهم؛ فإذا بهم في مساء يوم الاقتراع العاصف يتفرجون بحسرة على خبر يفيد بأن جموع المرحلين إلى مكاتب مدينتهم قد انتخبت لهم من لا يعرف موقع مدينتهم على الخريطة ولا تربطه بهم صلة مصلحة أو معاناة،

  • تعيين رؤساء مكاتب الاقتراع وأعضائها بشكل انتقائي، من بين الموظفين الأكثر ولاء للسلطة وقابلية “للتعاون” مع الوجهاء المشرفين على تصويت الناخبين على مستوى المكاتب،
    -ممارسة مختلف أشكال الترغيب والترهيب على الأفراد والتجمعات السكنية، من ربط إقامة المرافق الخدمية والأعطيات والترضيات والوظائف، منحا ومنعا، بالولاء المطلق في الانتخابات،
    -توظيف الدعايات العرقية والفئوية والقبلية من طرف المترشحين، خلال الانتخابات كأدوات تعبئة سريعة وفعالة لحشد الأنصار، دون مراعاة لمخاطرها الآنية والمستقبلية على الانسجام الاجتماعي الوطني،
    وإذا حدث أن وقع “خطأ” في الحسابات المشتركة بين الجهاز الحزبي المهيمن والإدارة على مستوى المراكز الحضرية، بأن تمكن مرشح ما من الفوز لم يكن مسموحا له بذلك، بحكم الاحتياطات الإدارية والإمكانات المالية والبشرية المرصودة للحيلولة دون نجاحه، فإن القائمين على تلك الحسابات والتحضيرات سيتعرضون لعقوبات إدارية وسياسية طيلة مسارهم المهني والسياسي.
    ظلت هذه الآلية، على مدى العقود الأربعة المنصرمة بمثابة مقصلة؛ يتفادى السياسيون المحترفون حبل مشنقتها بالبقاء داخل حزب السلطة، منتظرين أدوارهم في الترشيح أو التعيين، في حين نجد مغامرين في صفوف المعارضة أو الموالاة، ينخدعون، في كل مرة، ببريق تعهدات السلطات المتعاقبة بالعزم على ضمان الحياد والشفافية أمام كل استحقاق انتخابي، فيندفعوا في السباق الانتخابي العبثي المضمون النتيجة من طرف مرشحي النظام، ليجدوا حبل مشنقتهم جاهزا يوم الاقتراع والسياف يجز الرقاب والأطراف بدون رحمة أو شفقة، ولسان حاله ومقاله يردد: أما آن لكم أن ترتدعوا وتلتحقوا ببيت الطاعة؟.
    في اليوم الموالي للاقتراعات، يعلو نحيب وعويل الفاشلين في الانتخابات وينظمون مهرجانات لفضح التزوير وكشف أدلة انحياز الإدارة لمرشحي النظام وتقدم سلاسل من المقترحات لإصلاح النظام الانتخابي، لكن التعايش مع العادة المترسخة وفقدان بوصلة حقيقية للتغيير يتكفلان بالدوام بتأكيد واقع أن ليس في الإمكان أفضل مما كان.
    على أعتاب الحوار المزمع، هل تستخلص النخبة السياسية، موالاة أو معارضة ، في نهاية العقد الخامس من المسلسل الانتخابي، الدروس المؤلمة من تجربة العود الأبدي لمواجهة مصيرها أمام مقصلة الانتخابات المحسومة النتائج بشكل مسبق، من خلال الالحاح على مطلب الفصل بين السلطة السياسية القائمة والحزب الوحيد التابع لها ،عبر إعلان من رئيس الجمهورية بالتخلي التام عن مرجعية هذا الحزب ، باعتبار ذلك الوسيلة الوحيدة لإعطاء معنى للتعددية الحزبية والشرط الكفيل بضمان تنافس انتخابي حقيقي، أم أن سلطة المألوف وإغراءات النظام الصريحة أو الضمنية ستقود الجميع إلى فصل جديد من تجربة المواجهة المحسومة مع مقصلة المترشحين المغامرين؟
    اللهم هل بلغت اللهم فاشهد
    محمد سالم بمب
ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى