الهم الوطني كل لا يتجزأ !!!

التراد ولد سيدي
إن القضايا الوطنية كلها مهمة، وكلها تتطلب من المهتمين بالشأن العام، ومن يمارسون فعلياً محاولة التأثير، خصوصاً من منحهم الله من العقل والاطلاع ما يمكنهم من فهم القضايا والمشاكل واستيعاب تأثيرها في حال العلاج أو الإهمال على المديين القريب والبعيد، وعلى حاضر الوطن ومستقبله.
فهناك قضايا ومشكلات تبدو للجميع ملحة، بغض النظر عن درجة الإلحاح بين شخص وآخر، وتتطلب أن توضع في مقدمة الاهتمام، لكن دون إهمال لأي قضية أخرى لها علاقة أو تأثير بالمصالح العليا للوطن والمواطن.
إن مسألة الوحدة الوطنية، والحاجة إلى المزيد من توطيدها وتقويتها، لا يختلف اثنان في أهميتها. وإن كانت تتكون من جملة عناصر، فلا بد عند التدقيق فيها من الوصول إلى التفاصيل التي تُعدّ دائماً مصدراً للمشاكل. وتلك مشكلة التخلف الشامل الذي يعيشه الوطن، والحاجة التي لا تقبل التأجيل لمحاربته دون هوادة، وتطوير الشعب وعقليته التي تطبع أسلوب حياته بما يضمن السعادة للشعب. فهذه المسائل المهمة لا اختلاف جدياً عليها.
وهناك مشكلة الفساد التي ترى الإجماع عليها شبه كامل، ويضعها الكثيرون أولوية، لأن الفساد يجسد السدّ الذي يحول بين موريتانيا والتطور والتقدم وكل خير. وإن وضع البيئة التي بلغت من التحطيم والتدمير ما لا مزيد عليه، ساعد الجهل وروح البداوة وضعف الوعي في جعلها جريمة مسجلة ضد مجهول، لأن لا أحد يتناولها كأنها غير موجودة، لكن لا خلاف جوهرياً عليها.
ومشكلة تصفية الرق ومخلفاته، من تهميش وإقصاء ونظرة دونية، وعدم المساواة في الفرص. والتحدث عن الإرث الإنساني رغم عدم التعبئة الوطنية لمؤازرة المطالبين بإنهائه، فإن الاختلاف معهم حول مطالبهم ضعيف جداً.
إن المشكلة التي ما لم نتجاوزها ستظل عربتنا منغرزة في الرمال هي تشت النظرة للقضايا من طرف من لهم رأي، ولو محدود، في الأمور الجارية. إن الوحدة الوطنية تمر عبر علاقات ودية خالية من الرياء بين المكونات، جميع المكونات. فموريتانيا تعني المكونات مجتمعة، لا تعني مكون العرب وحده أو مكون الزنوج وحده. إنهما معاً هما موريتانيا، وعند افتراق المكونات لا تبقى هناك موريتانيا.
فاعتبار أن العرب مسؤولون عن مشاكل العرب، والزنوج يطالبون بحق المشاركة واسترجاع الحقوق لمكون الزنوج، غير صحيح. يجب أن ندافع عن حقوق الجميع دون تمييز.
واعتبار أن لحراطين بكل رجالهم ومكوناتهم معنيون بتحقيق مكانتهم في المجتمع وضمان العدالة والمساواة وتصفية مخلفات الرق من إقصاء أو تهميش أو أي وضع يحد من مستوى المشاركة والأهلية والجدارة، اعتبار حقوق لحراطين شأناً لهم، واعتبار مطالب مكون الزنوج حول أي موضوع شأناً لهم، غير صحيح. إن هذه المسائل تشكل أكبر خطأ وأكبر مظهر انحلال للعقد الوطني. فقضايا العرب قضايا لكل المواطنين، وكذلك قضايا الزنوج. نجتمع جميعاً لإحقاق الحق، وهكذا مع مطالب المكونات جميعها. أيعقل أن نترك مكون لحراطين يشكون تهميشهم وفقرهم وإقصاءهم وتأثير مخلفات الرق عليهم، ونحن ننظر ماذا عليهم فعله وماذا تكون الأمور؟!
إن ما نشهده من محاولة الإعلام الغبي شيطنة من يبذلون الغالي والنفيس من أجل حماية الوحدة الوطنية وتمتع الجميع بالعدالة والمساواة في وطن موريتاني متكافئ كريم مسلم ومسالم، لن ينجح، وسيخيبون ويفشلون. إنني كفرد من هذا المجتمع أشعر أن أكبر خدمة يمكن أن تقدم لأبنائي وأبناء كل الموريتانيين هو تحقيق تصفية كاملة لمخلفات الرق، وتحقيق وطن يتساوى فيه المواطنون في سلام ووئام. وهذا ما أرى أن الباحثين عن الحرية وتصفية الاستعباد من حركة “إيرا” وحزب “الرق” وكل العناصر التي تطالب بالعدالة يسيرون فيه. إنه الاتجاه الصحيح بغض النظر عن أخطاء في التعبير تحدث بين فترة وأخرى، وخطابات متشنجة بين فينة وأخرى، كلها لا تبرر اضطهاد الباحثين عن الحرية، ونعتبر عملهم في صميم التوجه الذي ليس لشريحة ولا لفئة ولا لحزب أو جهة. إنه من صميم مهامنا جميعاً، سواء شاركنا فيه أو تخلفنا.
إن الدفاع عن وحدة موريتانيا مسؤولية الجميع، والأكثر قرباً لها منا جميعاً أولئك الباحثون عن وحدة مكون البيظان وبين مكونهم وإخوتهم الزنوج. إن هؤلاء بوصفهم مدافعين عن وحدة موريتانيا لا يستحقون إلا الدعم والمؤازرة، وإننا ندعمهم ونؤازرهم ولا نهتم بالنتائج!
ونقول للذين يطربهم أصوات صلصلة الحديد في سواعد الأحرار: إن الباحثين عن أسباب للقمع والاضطهاد للمناضلين من أجل الحرية ومن أجل المساواة، والذين لا يحتاجون إلا أن يطلقوا ما يمتلكون من وسائل القمع لأنهم في السلطة ولديهم المال والأمن والقضاء، وجيوش من المصفقين والمتملقين والجهلاء المستعدين لمن يقودهم نحو أي توجه، لكنهم سيفشلون ويندمون. وسينتصر الشعب ويعيش في سلام ووئام، ولن يبقى العقلاء يرون مجانين يسيرون ببلادهم نحو الهاوية دون فعل أو رد فعل!!!
التراد ولد سيدي







