مقالات وآراء

حرية الصحافة بين التنظيم والوصاية.. قراءة في الجدل الدائر حول تنظيم البطاقة الصحفية

أثار الجدل الأخير المتعلق بتنظيم البطاقات الصحفية موجة واسعة من النقاش داخل الوسط الإعلامي، خصوصًا في ظل المخاوف المتزايدة من أن تتحول بعض الإجراءات التنظيمية إلى أدوات قد تُفهم باعتبارها تضييقًا على حرية العمل الصحفي واستقلالية المؤسسات الإعلامية.

وقد استقبل العديد من الإعلاميين تعيين وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان،الدكتور الحسين ولد امدو، بكثير من التفاؤل، باعتباره صحفيًا قادمًا من داخل القطاع، يُفترض أن يكون أكثر إدراكًا لتحدياته وتعقيداته، وأكثر قدرة على تقديم إصلاحات حقيقية تستجيب لمطالب المهنيين وتواكب تطور المشهد الإعلامي الوطني. غير أن حالة الارتياح تلك سرعان ما تراجعت لدى بعض الفاعلين في المجال، بعد ظهور مؤشرات اعتبرها منتقدون محاولة لإعادة تصنيف المشهد الإعلامي وفق معايير لا تستند دائمًا إلى المهنية والاستقلالية، بقدر ما ترتبط بالقرب من السلطة أو دوائر النفوذ.

ولا يختلف اثنان على أن قطاع الإعلام بحاجة فعلية إلى الإصلاح والتنظيم، لكن التنظيم يختلف جذريًا عن الوصاية. فالصحافة المستقلة، التي راكمت تجربة طويلة منذ بداية التعددية الديمقراطية سنة 1991، ظلت تؤدي دورها في مواكبة الحياة السياسية، وكشف الاختلالات، ونقل صوت المجتمع، رغم الصعوبات والإمكانات المحدودة.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ما حدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم العمل الصحفي؟ وهل يحق للحكومة أن تصبح الجهة المانحة للصفة الصحفية، بما قد يفتح الباب مستقبلًا للتأثير على استقلالية المؤسسات الإعلامية؟

إن المؤسسات الصحفية، باعتبارها هيئات مستقلة وشخصيات معنوية قائمة بذاتها، من حقها أن تدير شؤونها المهنية وفق القوانين المنظمة، بعيدًا عن أي مقاربة قد تُفهم باعتبارها محاولة للتوجيه أو الإخضاع الإداري. فحرية الصحافة ليست امتيازًا تمنحه السلطة التنفيذية، بل حق دستوري يمثل أحد أعمدة دولة القانون والمؤسسات.

كما أن حماية الحريات العامة لا تقع على عاتق الصحفيين وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية تشمل الأحزاب السياسية والنقابات والمحامين والفاعلين الحقوقيين، وكل المؤمنين بأهمية وجود إعلام حر ومستقل. فالتضييق على الصحافة لا يضر الصحفي وحده، بل ينعكس على المجتمع بأكمله، باعتبار الإعلام وسيلة للرقابة والتعبير وتوازن السلطات.

ولا شك أن أي إصلاح حقيقي للقطاع يجب أن يتم عبر الحوار والتشاور مع الفاعلين المهنيين، بعيدًا عن القرارات الأحادية أو المقاربات الإقصائية؛ لأن بناء إعلام قوي لا يتحقق بالإقصاء أو التصنيف، بل بترسيخ المهنية، واحترام التعددية، وضمان بيئة قانونية عادلة ومتوازنة.

إن مستقبل الديمقراطية في أي بلد يُقاس بمستوى الحرية التي يتمتع بها إعلامه، وبقدرة الصحفيين على ممارسة عملهم دون خوف أو وصاية، وفي ذلك مصلحة للدولة قبل أن تكون مصلحة للصحفيين أنفسهم.

بقلم: تماد إسلم أيديه

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى