الناصريون في موريتانيا: بين الوفاء للذاكرة وأسئلة المستقبل

أحمد ولد الدوه
دأب الناصريون في موريتانيا على تنظيم تظاهرة سياسية سنوية وهي مناسبة تحمل طابعًا رمزيًا يستحضر ذكرى شهداء الحركة، خصوصًا أحداث الثمانينيات وما ارتبط بها من صدامات مع السلطة، وفي مقدمتها انتفاضة عام 1984.
وتأتي هذه الفعاليات في سياق الوفاء لذاكرة نضالية شكلت جزءًا من تاريخ العمل السياسي في البلاد،
لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول واقع هذه الحركة ومستقبلها.
بين الذاكرة والتاريخ:
لا يمكن إنكار أن التيار الوطني الناصري لعب دورًا معتبرًا في تشكيل الوعي السياسي لدى فئات من الشباب والمثقفين في موريتانيا، حيث رفع شعارات الوحدة العربية، والعدالة الاجتماعية، والتحرر من التبعية.
وقد استطاع، في فترات معينة، أن يكون صوتًا معارضًا حاضرًا في الساحة، خاصة داخل الأوساط الطلابية والنقابية.
غير أن التحولات التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة، وتراجع المد القومي العربي، أفرزت واقعًا جديدًا جعل الكثير من الحركات ذات المرجعيات الأيديولوجية الصلبة أمام اختبار صعب: إما التكيف أو التراجع.
إشكالية “السجن الأيديولوجي”
أحد أبرز التحديات التي تواجه الناصريين اليوم هو ما يمكن تسميته بـ”السجن الأيديولوجي”، أي الجمود عند شعارات ومفاهيم لم تعد تستجيب بشكل كافٍ لتعقيدات الواقع الراهن.
فالعالم اليوم تحكمه معادلات اقتصادية وتكنولوجية جديدة، بينما لا يزال الخطاب القومي التقليدي، في كثير من الأحيان، أسير لغة الستينيات والسبعينيات.
المراجعة الفكرية لا تعني التخلي عن المبادئ، بل إعادة قراءتها في ضوء المتغيرات:
كيف يمكن ترجمة العدالة الاجتماعية في اقتصاد السوق؟ كيف يمكن فهم الوحدة في زمن التكتلات الإقليمية المتعددة؟ وكيف يمكن بناء مشروع وطني ينطلق من خصوصية المجتمع الموريتاني بدل استنساخ نماذج جاهزة؟
-الحضور في المشهد السياسي
أما عن سؤال الحضور، فيمكن القول إن الناصريين ما زالوا موجودين في الساحة الموريتانية، لكن ليس بالقوة التنظيمية والتمساك الداخلي أو التأثير الذي كان لهم في مراحل سابقة.
فقد تراجعت قدرتهم على التعبئة، وتوزعت قواعدهم بين تيارات متعددة، بعضها اندمج في أحزاب قائمة، وبعضها اختار العمل من داخل المجتمع المدني.
ومع ذلك، فإن وجودهم لم ينعدم، بل تحول إلى حضور رمزي وفكري أكثر منه تنظيميًا، يتجلى في مثل هذه التظاهرات والأنشطة التذكارية، وفي بعض المنابر الإعلامية والنقاشات الفكرية.
نحو أفق جديد:
السؤال الجوهري اليوم ليس هل انتهت التجربة الناصرية، بل: هل يمكن تجديدها؟
والإجابة ترتبط بمدى استعداد هذا التيار للقيام بنقد ذاتي شجاع، والانفتاح على قضايا العصر: الديمقراطية، الحوكمة، الاقتصاد، الهوية الوطنية الجامعة، والتعدد الثقافي.
فالخروج من “السجن الأيديولوجي” لا يعني القطيعة مع التاريخ، بل يعني تحويل الذاكرة من عبء إلى رافعة، ومن حنين إلى مشروع.
خاتمة:
لقد كانت للناصريين تجربة لها ما لها وعليها ما عليها، أسهمت في تشكيل جزء من الوعي السياسي الوطني. غير أن استمرار أي تيار سياسي مرهون بقدرته على التجدد، لا بمجرد التمسك بالماضي.
وبين الوفاء للشهداء وبناء المستقبل، يبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من استحضار التاريخ إلى صناعة التاريخ والتماسك الداخلي.







