موريتانيا وصندوق النقد الدولي… استقرارٌ في الأرقام، وقلقٌ في الواقع

بقلم احمد محمد حماده – كاتب ومحلل سياسي
في لحظة تبدو فيها الأرقام أكثر هدوءاً من الأسئلة، استقبلت نواكشوط جولة جديدة من النقاش بين الحكومة الموريتانية وصندوق النقد الدولي، من خلال لقاء جمع الوزير الأول المختار ولد أجاي برئيس بعثة الصندوق فيليكس فيشر. غير أن هذا اللقاء، في جوهره، لم يكن مجرد محطة تقنية عابرة، بل يعكس مرحلة دقيقة تتقاطع فيها رهانات الاستقرار المالي مع إكراهات الواقع الاجتماعي، وتُستدعى فيها أيضاً ذاكرة طويلة من التفاعل بين موريتانيا وهذه المؤسسة الدولية.
الحديث عن المراجعة السادسة لآلية القرض الموسع والتسهيل الموسع، والمراجعة الخامسة لآلية الصمود والاستدامة، ليس تفصيلاً إجرائياً كما قد يبدو، بل هو مؤشر على أن موريتانيا تسير ضمن مسار إصلاحي مراقب بدقة. فهذه المراجعات لا تُستكمل إلا بعد اختبار حقيقي لقدرة الدولة على احترام التوازنات الكبرى: عجز الميزانية، مستوى الدين، احتياطات النقد، وتقدم الإصلاحات المرتبطة بالجباية والحكامة ودعم الطاقة. وبعبارة أكثر صراحة، فإن ما يجري ليس فقط تقييماً للأرقام، بل تقييماً لمدى قدرة الدولة على إدارة توازن معقد بين متطلبات الخارج وضغط الداخل.
غير أن فهم هذا المسار يظل ناقصاً دون استحضار جذوره التاريخية. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، دخلت موريتانيا في برامج التثبيت والتكييف الهيكلي مع صندوق النقد الدولي في سياق أزمة مديونية واختلالات عميقة. وقد ساهمت تلك البرامج في إعادة قدر من الانضباط المالي، لكنها رافقت ذلك بسياسات تحرير سعر الصرف وتقليص الدعم، وهو ما فتح المجال أمام ضغوط تضخمية وتراجع تدريجي في القوة الشرائية. ومنذ ذلك الحين، لم يكن تراجع الأوقية نتيجة مباشرة لسياسات الصندوق فقط، بل انعكاساً لبنية اقتصادية هشة، تعتمد على صادرات محدودة وتتأثر بشدة بتقلبات الأسواق الدولية.
وخلال مراحل لاحقة، خاصة في التسعينيات وبداية الألفية، استمر هذا النمط من التعاون، مع تحسن نسبي في بعض المؤشرات الكلية، دون أن يصاحبه تحول عميق في بنية الاقتصاد. وهو ما جعل الأوقية تبقى عرضة للتقلب، مرتبطة أساساً بعائدات الصادرات واختلال ميزان المدفوعات. ومع كل صدمة خارجية، كانت العملة تمتص جزءاً من هذا الضغط، في ظل نظام صرف أكثر مرونة.
ولعل من أبرز الأمثلة الحديثة على هذا التباين بين المؤشرات والواقع، تجربة برنامج التسهيل الائتماني الممدد بين 2017 و2020 مع صندوق النقد الدولي، حيث نجحت موريتانيا نسبياً في استعادة بعض التوازنات المالية وتعزيز احتياطاتها من النقد الأجنبي، لكن ذلك لم ينعكس بالقدر نفسه على الحياة اليومية للمواطنين. فقد تزامنت تلك المرحلة مع إجراءات تقشفية وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، ما أدى إلى ضغط إضافي على القدرة الشرائية، خاصة لدى الفئات الهشة، وهو ما أعاد طرح إشكالية العدالة في توزيع كلفة الإصلاحات وثمارها.
غير أن ما يلفت الانتباه في اللقاء الأخير، هو أنه لم يقف عند حدود تقييم البرامج الجارية، بل فتح الباب أمام التفاوض بشأن برنامج جديد. وهنا تتجاوز المسألة بعدها المالي لتطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام استمرارية في نفس النهج، أم أمام محاولة لتصحيح اختلالات المقاربات السابقة؟ فكل برنامج جديد لا يأتي فقط بتمويل إضافي، بل بحزمة من الالتزامات التي تمس بنية الاقتصاد، من سياسات الدعم إلى مناخ الأعمال، مروراً بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
وفي هذا السياق، يصبح حضور وزراء النفط والاقتصاد ومحافظ البنك المركزي أكثر من مجرد تمثيل مؤسساتي، بل دلالة على أن النقاش يدور حول مفاصل حقيقية في الاقتصاد الوطني. فملف الطاقة لم يعد مجرد قضية تقنية، بل أصبح عنصراً حساساً في معادلة الاستقرار الاجتماعي، كما أن السياسة النقدية باتت مرتبطة مباشرة بثقة الشركاء الخارجيين وبقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، خاصة في ظل تاريخ طويل من الضغوط التي تعرضت لها الأوقية بفعل الاختلالات البنيوية.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن إغفال أن تعدد الشركاء الدوليين، رغم ما يوفره من فرص تمويل، يفرض تحدياً على مستوى التنسيق وتحديد الأولويات. فالتعامل مع مؤسسات مالية كبرى، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، يقتضي وضوحاً في الرؤية الوطنية، وقدرة على فرض الأجندة المحلية، حتى لا تتحول البرامج إلى استجابة ميكانيكية لشروط خارجية. فجوهر الرهان لا يكمن في تنوع الشراكات، بل في كيفية إدارتها بما يخدم مشروعاً تنموياً واضحاً.
ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في التوصل إلى اتفاقات جديدة أو استكمال المراجعات بنجاح، بل في ما يلي ذلك من انعكاسات على الواقع المعيشي. فقد أثبتت التجارب السابقة أن النجاح في تلبية المؤشرات الكلية لا يعني بالضرورة نجاحاً في تحقيق الأثر الاجتماعي. بل إن بعض البرامج التي اعتُبرت ناجحة في تقارير التقييم، لم تكن بنفس القدر من الإقناع على مستوى المواطن، بسبب ضعف مواكبتها بسياسات اجتماعية فعالة.
من هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بإقناع صندوق النقد الدولي بسلامة المسار، بل بإقناع الداخل بأن هذا المسار يخدمه فعلاً. وهو ما يتطلب إدارة دقيقة للإصلاحات، بحيث لا تتحول الضرورات الاقتصادية إلى كلفة اجتماعية غير محتملة، خاصة في ظل حساسية المجتمع لأي تغير يمس القدرة الشرائية.
في المحصلة، تكشف هذه الجولة من المباحثات عن وضعية مركبة تعيشها موريتانيا: فهي ليست في أزمة مالية خانقة، لكنها أيضاً لم تتحرر بعد من الحاجة إلى الدعم الخارجي. وبين منطق الاستقرار المالي وطموح التحول الاقتصادي، يظل القلق قائماً: هل يكفي أن تستقر الأرقام، إذا ظل الواقع يطالب بإجابات لم تأت بعد؟







