أخبار عربية ودولية

من «ثروة الشعب» إلى صراع المراكز والقوى.. ليبيا في ذكرى الفاتح بين دولة الأمس وانقسام اليوم

في ذكرى ثورة الفاتح من سبتمبر في ليبيا عام 1969

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

التواصل – (خاص): في الأول من سبتمبر 1969، أطاحت مجموعة من الضباط الشباب بقيادة الزعيم الراحل معمر القذافي بالنظام الملكي في ليبيا، لتبدأ البلاد تجربة سياسية واقتصادية استمرت 42 عاماً، قبل أن تنتهي في 2011 بسقوط النظام إثر تمرد مسلح تحول إلى حرب تدخل فيها حلف شمال الأطلسي عسكرياً وبعض الدول العربية والإسلامية المعادية لنظام معمر القذافي.

وبعد 57 عاماً، تطرح ليبيا سؤالاً يتجاوز الجدل حول القذافي نفسه: ماذا حدث لدولة كانت تملك ثروة نفطية كبيرة ومؤسسات مركزية ومشروعات ضخمة، ثم تحولت إلى بلد تتنازعه حكومات ومراكز عسكرية وقوى خارجية؟

من دولة فقيرة إلى واحدة من أعلى دول إفريقيا تنمية

كانت المملكة الليبية عند قيامها عام 1951 دولة حديثة الاستقلال، ضعيفة البنية التحتية وتعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الأجنبية. وظل التعليم والصحة والخدمات في بدايات محدودة، رغم أن اكتشاف النفط منذ أواخر الخمسينيات بدأ يغير المعادلة الاقتصادية. وتشير دراسات عن تلك المرحلة إلى ضعف البنية الأساسية والاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية.

بعد 1969، تحول النفط إلى المحرك الرئيسي لبناء الدولة. ووسعت السلطات الإنفاق على التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية، فيما أصبح التعليم والخدمات الصحية العامة متاحين مجاناً للمواطنين.

وكانت النتيجة تحولاً كبيراً في مؤشرات التنمية. فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع من نحو 46.6 عاماً عام 1960 إلى قرابة 75 عاماً في 2011، فيما وصلت نسبة معرفة القراءة والكتابة بين البالغين إلى نحو 89% عام 2010.

وفي 2010، بلغ مؤشر التنمية البشرية لليبيا نحو 0.755، وهو أعلى مستوى أفريقي آنذاك وفق بيانات الأمم المتحدة، قبل أن تتراجع البلاد بشدة بعد الحرب.

ولا يعني ذلك أن كل هذا التحسن كان نتيجة سياسة واحدة أو شخص واحد؛ فارتفاع أسعار النفط والتطور العالمي في الطب والتعليم عوامل لا يمكن تجاهلها. لكن المؤشرات تكشف بوضوح حجم التحول الاجتماعي الذي شهدته ليبيا خلال العقود الأربعة لحكم معمر القذافي التي سبقت سنة اغتياله والإطاحة بنظامه في 2011.

النهر الصناعي.. عندما تحولت الثروة إلى ماء

ربما لا يكاد مشروع يجسد فلسفة الدولة الليبية في عهد القذافي أكثر من النهر الصناعي العظيم.

ففي بلد صحراوي يكاد يخلو من الأنهار الطبيعية، أنشأت ليبيا شبكة هائلة لنقل المياه الجوفية من أحواض الصحراء إلى المدن الساحلية. وبلغت شبكة الأنابيب آلاف الكيلومترات، فيما تشير مصادر إلى أكثر من 1300 بئر وإمكانات نقل تصل إلى ملايين الأمتار المكعبة من المياه يومياً. ووصل المشروع إلى توفير الجزء الأكبر من المياه المستخدمة في ليبيا.

كان المشروع، بكل مشكلاته المتعلقة باستنزاف مياه جوفية غير متجددة، تعبيراً عن تصور استراتيجي واضح تمثل في استخدام عائدات النفط لتمويل مورد أكثر حيوية من النفط نفسه بالنسبة لمستقبل بلد صحراوي، وهو الماء.

«سلطة الشعب».. تجربة مثلت نسخة بديلة عن الديمقراطية الغربية

سياسياً، لم تتبنَّ الجماهيرية النموذج البرلماني الغربي، الذي كانت ترى أنه يعكس ديكتاتورية اغلبية بسيطة.

فقد قامت الفكرة على أن يمارس المواطنون السلطة مباشرة عبر المؤتمرات الشعبية الأساسية، وأن تتولى اللجان الشعبية تنفيذ قراراتها، بينما كان مؤتمر الشعب العام الإطار الجامع لمخرجات المؤتمرات الشعبية، وهو بمثابة البرلمان.

وكان رفض الأحزاب جزءاً أساسياً من هذه الفلسفة. فنظام معمر القذافي رأى أن الحزب يمثل جزءاً من المجتمع ويحتكر تمثيله، وأن البرلمان يجعل الأقلية التي تحصل على الأغلبية الانتخابية البسيطة قادرة على اتخاذ قرارات باسم المجتمع كله.

ومن هنا قدم «النظام الجماهيري» نفسه باعتباره بديلاً عن الديمقراطية التمثيلية الغربية: لا نائب يتحدث باسم الشعب، ولا حزب يحتكر إرادته، بل المواطن نفسه يمارس السلطة في مؤتمره الشعبي.

وهذه نقطة مهمة في قراءة التجربة؛ فالجماهيرية لم تكن محاولة لتطبيق الديمقراطية الغربية بصورة مختلفة، بل كانت نظرية سياسية أعلنت صراحة رفض النموذج الغربي واقترحت نموذجاً آخر للديمقراطية المباشرة.

لكن ذلك لا يحسم السؤال حول الممارسة. فغياب التعددية الحزبية والانتخابات التنافسية، ومركزية السلطة وشخصية القذافي، تظل عناصر أساسية في تقييم مدى استقلال المؤسسات الجماهيرية عن مركز النظام، مع ضرورة احترام خيارات الشعوب في طبيعة الممارسات الديمقراطية التي تتبناها.

بين الدولة القوية وثمنها السياسي

كان النظام في الجماهيرية الليبية مركزيا، ولم يسمح بتعددية سياسية على النمط الغربي، وشهد عهده صدامات واعتقالات وانتهاكات موثقة، واتهامات للخصوم السياسيين بالولاء والعمالة لجهات أجنبية معادية للبلاد ولسياساتها ولاستقلالها.

لكن وضع هذه المسألة في سياقها التاريخي يقتضي أيضاً التمييز بين المعارضة السياسية السلمية والتمرد المسلح، وبين الصراع الداخلي والتدخل الخارجي.

فليبيا لم تكن تواجه عام 2011 مجرد احتجاجات داخلية؛ إذ تحولت المواجهة إلى حرب أهلية مسلحة، ثم إلى تدخل عسكري غربي وإقليمي قادته الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ودول أخرى عبر حلف شمال الأطلسي. كما كانت ليبيا قد دخلت قبل ذلك بسنوات في صدامات طويلة مع الولايات المتحدة ودول غربية، على خلفية سياستها الخارجية الرافضة لهيمنة الغرب على العالم وفرض نظامها الديمقراطي بالقوة والضغوطات.

لذلك فإن اختزال سقوط النظام في «ثورة ديمقراطية» وحدها لا يفسر كل المشهد، كما أن اختزاله في «مؤامرة خارجية» وحدها لا يفسر الاحتجاجات والانقسامات الداخلية التي سبقت التدخل وإن كان ثمة ما يؤكد وجود تنسيق بين قادة الاحتجاجات العنيفة وجهات أجنبية وعلى رأسها اليهودي الفرنسي برنارد هنري ليفي.

بعد القذافي.. تعدد السلطات بدل توحيد الدولة

كان سقوط النظام نقطة تحول، لكنه لم ينتج دولة مستقرة.

ومنذ 2014 خصوصاً، انقسمت ليبيا بين سلطات متنافسة في الشرق والغرب، وتوزعت القوة الفعلية بين حكومات وقبائل وجماعات مسلحة ومؤسسات متوازية، بينما أصبحت السيطرة على النفط والإيرادات العامة جزءاً من الصراع السياسي.

وفي الشرق، رسخ المشير خليفة حفتر نفوذه العسكري بدعم من مصر والإمارات وروسيا، فيما حصلت القوى المسيطرة في الغرب (جماعة الإخوان)  على دعم تركي. وأصبح النفط، الذي كان أساس بناء الدولة، أحد أهم أدوات الضغط بين أطرافها المتنافسة.

وفي أغسطس 2026، أظهرت هجمات بطائرات مسيرة على منشآت النفط والكهرباء في الزاوية حجم هشاشة البنية التحتية الاستراتيجية؛ إذ أدى هجوم على محطة كهرباء فرعية إلى تعطيل أكثر من 700 ميغاواط من أصل 1300 ميغاواط من قدرة محطة الزاوية، فيما انسحبت فرق فنية لشركة «جنرال إلكتريك» الأميركية بسبب الوضع الأمني.

المواطن.. ثروة نفطية وخدمات متعثرة

لا تعني ليبيا اليوم أنها تحولت إلى بلد فقير بالمعنى التقليدي؛ فهي لا تزال دولة ذات موارد نفطية هائلة وتصنف ضمن الاقتصادات ذات الدخل المتوسط الأعلى لكن ذلك لا ينعكس على مستوى معيشة غالبية الشعب الليبي مقارنة بحقبة القذافي.

و المشكلة الآن أصبحت تتمثل في مدى قدرة الدولة المنقسمة على تحويل الثروة إلى حياة مستقرة.

ويقول البنك الدولي إن تقديم الخدمات في ليبيا لا يزال ضعيفاً، خصوصاً في الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، مع تفاوت كبير بين المناطق وارتفاع البطالة ومخاطر الفقر.

وفي صيف 2026، تجاوز انقطاع الكهرباء في بعض المناطق 14 ساعة يومياً، ما أدى إلى نقص المياه وانقطاع الاتصالات واندلاع احتجاجات، في مشهد يلخص هشاشة الخدمات الأساسية في دولة تملك أحد أكبر احتياطيات النفط في إفريقيا.

كما خسر الدينار الليبي جزءاً جديداً من قيمته؛ ففي يناير 2026 خُفّض سعره الرسمي بنسبة 14.7%، في ثاني تخفيض خلال أقل من عام، وسط الانقسام السياسي وغياب ميزانية وطنية موحدة وتراجع إيرادات النفط.

وهكذا أصبحت حياة المواطن محكومة بمفارقة قاسية: بلد غني بالموارد، لكنه يعاني من ضعف الدولة التي يفترض أن تدير هذه الموارد.

النفط.. من «ثروة الشعب» إلى ورقة نفوذ

كان أحد أبرز شعارات مرحلة النظام الجماهيري في عهد معمر القذافي أن النفط ثروة للشعب، واستخدمت الدولة جزءاً كبيراً من عائداته في تمويل الخدمات والدعم والمشروعات العامة.

أما بعد 2011، فقد تحول النفط بصورة متزايدة إلى أداة في الصراع على الدولة نفسها تمثل في إغلاق حقول وموانئ، وخلافات حول توزيع الإيرادات، ومساومات بين الحكومات والمؤسسات والقوى المسلحة.

ولا تزال المحروقات تمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي؛ ففي 2024 شكلت نحو 65% من الناتج المحلي، وأكثر من 90% من الصادرات، ونحو 72% من الإيرادات الحكومية، وفق البنك الدولي.

«إسرائيل».. موقف ثابت في عهد الجماهيرية

في السياسة الخارجية، لم تعترف الجماهيرية العربية الليبية بـ«إسرائيل»، ولم تقم معها علاقات دبلوماسية، وكان رفض المشروع الصهيوني جزءاً ثابتاً من الخطاب السياسي الليبي في عهد الراحل معمر القذافي.

وقد وضع هذا الموقف ليبيا في مواجهة متكررة مع الولايات المتحدة وحلفائها، ضمن سياسة خارجية أوسع اتسمت برفض الهيمنة الغربية والدفاع عن القضية الفلسطينية والقضايا العربية والأفريقية.

ماذا بقي من «الفاتح»؟

بعد 57 عاماً، تبدو المقارنة أكثر تعقيداً من سؤال: هل كان القذافي مستبداً أم لا؟

فليبيا في عهده كانت دولة مركزية مغلقة سياسياً باعتماد نهجها السياسي الخاص، لكنها نجحت في تحويل جزء كبير من عائداتها النفطية إلى توسع في التعليم والصحة والخدمات والبنية الأساسية، وأنجزت مشروعات استراتيجية عملاقة مثل النهر الصناعي.

أما ليبيا بعده، فقد أصبحت أكثر تعدداً من الناحية السياسية، لكنها لم تنجح في تحويل هذا التعدد إلى دولة موحدة مستقرة؛ بل دخلت في دوامة من الحكومات المتنافسة، والانقسامات العسكرية، والاغتيالات والعنف، والتدخلات الإقليمية والدولية.

وإذا كانت تجربة الجماهيرية قد طرحت سؤالاً مختلفاً عن الديمقراطية الغربية وهو كيف يمارس الشعب سلطته؟ فإن ليبيا ما بعد 2011 طرحت سؤالاً أكثر قسوة وهو ماذا يحدث عندما تسقط السلطة المركزية قبل أن توجد دولة قادرة على ملء الفراغ؟

بين دولة الأمس التي احتكرت القرار، ودولة اليوم التي تتنازعها مراكز القرار، تبقى المعضلة الليبية الأساسية قائمة وهي كيف تتحول الثروة النفطية من مصدر للصراع على السلطة إلى أساس لدولة موحدة، وكيف يتحول التعدد السياسي من انقسام إلى ديمقراطية تعددية مستقرة، أما السؤال الذي يطرحه الجميع فهو اي مستقبل ينتظر ليبيا بعد أزيد من 15 عاما من المعاناة والانقسام والاغتيالات وصراع القوى المحلية والإقليمية. وهل يتمكن أنصار النظام الجماهيري من العودة إلى السلطة بأصوات الشعب عبر انتخابات ديمقراطية تعددية بعد توحيد ليبيا التي يحكمها نظامان متصارعان أحدهما في الشرق وآخر في طرابلس ومصراته؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى