عن الشيعة والصحابة.. وأشياء أخرى.. !!

بداية أود التأكيد على أمرين:
الأول: أن المراجع الشيعية المعتبرة تحرم تحريما جازما كل أشكال الإساءة على أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أو على أحد من صحابة رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم وطهرهم وزكاهم.
وذلك حسب ما تواتر على علمي مقروءا ومسموعا ومرئيا..
الثاني: أنه لم يسبق لي أبدا أن التقيت أحدا من إخوتنا الشيعة حتى أحكم عليه عن دراية وخبرة تامين؛ سوى مخرج سينمائي لبناني أعتقد أن اسمه أبو أسد أو قريب من ذلك، وقد التقيت به منذ قرابة ثلاثين سنة في العاصمة الليبية طرابلس، وربطتني به علاقة صداقة قادتني لمحاورته ونقاشه في قضايا عديدة..
وكان هذا الرجل ذا ثقافة ومعرفة واسعين، وصاحب نزعة تحررية قومية أو عروبية ناصعة وصادقة، هذا فضلا عن اعتزازه الكبير بعقيدته الإسلامية وإعجابه غير المحدود بالثورة الإسلامية الإيرانية، إضافة لعدائه الشديد وغير المفتعل لقوى الاستكبار والصهيونية، ولجميع دعاة التطبيع والاستسلام للعدو الصهيوني.
لكني في المقابل وجدته لا يكاد يوفر نقدا ولا إساءة فجة لأمنا عائشة شرفها الله وكرمها ورضي عنها وأرضاها، وكذلك الأمر مع العديد من الصحابة الكرام بمن فيهم جميع الخلفاء الراشدين باستثناء الإمام علي كرم الله وجهه..
ولقد حاورت وناقشت وجادلت هذا الرجل كثيرا؛ وخرجت بجملة من الملاحظات بناء على ما دار بيننا من نقاش وجدال، بل ومن صدامات أحيانا؛ رغم اتفاقنا في جل المواقف ذات الأبعاد السياسية المحض:
1) لاحظت أن جل مواقفه المتطرفة من أمنا عائشة ومن بعض الصحابة؛ تعود أسبابها الأساسية إلى ما عرفته الأمة من أحداث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وأنه لا يتهم أمنا عائشة مثلا في عرضها ولا يقبل بحديث أصحاب الإفك عنها ولا يقول به ولا يصدقه، غير أن كراهيته لها ولكثير من الصحابة الكرام لم تكن خافية إطلاقا.
وأذكر أنني في بعض المرات وفي حديث تعارف بيننا؛ كان يحدثني عن أفراد أسرته، وتوهمت أنه ذكر أن إحدى أخواته اسمها عائشة، وحين سألته بعد ذلك قائلا: “قلت لي إن الأخت إسمها عائشة؟”..
رد بانفعال وغضب لا إراديين بقوله:
“أعوذ بالله”…!!! ولم يزد..
2) كان عميقا في تحليلاته وفي محاولاته تأسيس مواقفه، كما كان شديد التماسك والقدرة على ضبط أعصابه وهو يستمع للرأي المخالف، ولم أره يغضب من نقدي إلا مرة واحدة، حين ناقشته في مسألة “زواج المتعة” الذي يقولون إنه مشروع وإن الآية التي شرعته لم تنسخ.
فقد سألته بعد أن استفاض في الدفاع عما يعتبره “مشروعية زواج المتعة”:
— “وهل الزنا مباح عندكم”؟ فاستشاط غضبا من سؤالي الذي كنت أدرك جيدا أنه بعيد من اللباقة والتهذيب؛ لكنني قصدت به استفزازه أولا، والتمهيد لسؤال آخر جوهري ثانيا.
فاعتذرت له، قائلا: “معذرة.. فأنا لا أقصد أنكم تبيحون ذلك معاذ الله، ولكني أردت أن أعرف كيف تستطيعون إثبات الزنا على أي شخص؛ رغم أنه لا شيء أسهل على ممارسه من القول إن الأمر كله مجرد زواج متعة؛ إذ ما حاجته أصلا للزنا مادام لا شيء يضطره إليه؟!”
فكان غضبه من هذا السؤال أشد من غضبه من السؤال الأول، بل لم أره غضب من شيء خلال جدالاتنا الكثيرة كما غضب هذه المرة؛ ولا أذكر أنه رد على سؤالي هذا بغير الغضب والصمت المطبق.
إن ما قصدته من هذه القصة التي مضى عليها قرابة ثلاثين عاما، والتي لم أكتب أو أتحدث عنها للعامة قط قبل الآن؛ هو أن ينتبه كثير منا إلى أن ما يتحدث به كثير منا عن إساءة الشيعة أو بعضهم لأمنا عائشة ولبعض صحابة رسولنا الكريم عليه الصلاة ولربه التسليم؛ ليس كله افتئاتا أو تخرصا؛ بل هو قول له أصل معلوم وأساس مشهود؛ فهذا الأخ اللبناني الذي حدثتكم عنه لم يكن شخصا عاديا أو عاميا، بل هو مثقف كبير محسوب على نخبة بلده.. وليس النخبة المتعلمة؛ بله الدهماء السطحية؛ بل النخبة المثقفة والواعية!!.
لكن مع ذلك وبالرغم منه؛ فإني لم أنظر لهذه الحالة العجيبة إلا كما أنظر لكثير من حالات عدم الكمال المعرفي والالتزام الشرعي التي يعاني منها كثير من أبناء أمتنا الإسلامية بمختلف مذاهبها وطوائفها وفرقها وجماعاتها، وهي كلها تجسيد حتمي لما هو معلوم بالضرورة من تفاوت مراتب ودرجات المسلمين عند ربهم، وتفاوت المغانم التي سيحصدونها يوم القيامة، والمآثم التي ستَحصِد منهم في ذلك اليوم المشهود؛ دون أن يكون ذلك التفاوت في الفهم وفي درجات الالتزام والعلم؛ سببا أو مبررا مشروعا لإخراج أي منهم من دائرة الملة الواحدة الجامعة لكل من يشهدون بأن “لا إله إلا الله جل جلاله وأن محمدا عبده ورسوله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام”.
ومعلوم أن كاره الصحابي لا يكفر بكرهه إلا إذا كان هذا الكره بسبب ذات الصحبة؛ لا بسبب شيء غيرها.
وبناء على ذلكم كنت ولم أزل أكره أن يكون ما شجر بين أبناء أمتنا من خلاف واختلاف وتمذهب؛ دافعا لأي مسلم كي يصب مزيد الزيت على نار هذه الفتن؛ بدل أن يكون سببا للاجتهاد في محاولة تقريب الرؤى والتصورات ولجسر هوة الخلافات والصراعات، والحد من تضارب الأحاديث والروايات؛ بالحكمة وبالتي هي أحسن، وبتنمية المشتركات، وبالتعاون على المتفق عليه وعلى مواجهة كل ما يعتبر تحديا أو عدوا مشتركا للأمة الواحدة..
ولهذا أيضا؛ كانت كراهيتي الشديدة لكل أشكال التعصب المذهبي والطائفي؛ حتى لو كانت بدافع إنكار المنكر والنهي عنه؛ لأن النهي عن هذا المنكر هدفه الطبيعي والبدهي هو جعل الآخر يقلع عنه، لكن الشخص الذي يأتي منكرا وهو يجهل (لأي سبب) أنه منكر؛ سيكون من شأن التشديد عليه واتخاذ المواقف العدائية منه أن يزيده تعصبا لمنكره بدل الإقلاع عنه؛ أما حين تواجهه باحترام شخصه وبتقدير المشترك الذي يجمعك معه؛ فإن من شأن ذلك أن يهيء الأرضية المناسبة لفهم بعضكم بعضا ولتقبل بعضكم بعضا، ولقبول توجيهه ونصحه، وحتى تعنيفه ونقده..
والله أعلم.
ثم؛ وما سبب هذا الحديث في خلافات الأمة الطائفية؛ وبهذه الطريقة، ولأول مرة؟!
إن السبب المباشر لهذا الحديث هو تلكم الصوتية المتداولة المنسوبة للشيخ العلامة محمد الحسن ولد الددو؛ والتي تتحدث عن واقعة حدثت في بنت اجبيل، وعن واجهة المدخل المسيئة لأمنا عائشة رضي الله عنها وطهرها وزكاها.
لقد صدمتني تلك الصوتية صدمة شديدة كما صدمتكم أحمعين..
وقد رأيت أن هذه الصوتية لا تخلو من أحد احتمالين:
— فإما أنها صوتية مفبركة على الشيخ، وذلك هو الغالب على ظني ومنطقي؛ ولأكثر من سبب.
— وإما أنها صوتية صحيحة.. فإنا لله وإنا إليه راجعون..
ذلكم؛ لأن هذه الصوتية تحمل من أسباب الرد والشك والتتفيه ما لا يفوت على من كان له عقل؛ أو ألقى إليها السمع وهو شهيد:
— فأولا؛ إنها تتحدث عن زيارة يقوم بها مجموعة من الدعاة للبنان في وقت الحرب؛ الذي هو ليس ظرفا مناسبا لمثل هذه الزيارات أصلا..
— وثانيا: إنها تتحدث عن مكان آمن يقضي فيه الدعاة ليلة قصف؛ فلا يجدون لهم أفضل من موقع عسكري للحزب.. رغم أنه هو المستهدف بالحرب وبالغارات وبالقذائف!! فضلا عن أن الحزب نفسه معروف بشدة حذره الأمني والاستخباراتي؛ فكيف يكشف مواقعه الخاصة لمجموعة من الدعاة جاءوا من كل صوب وحدب؟؟!!
— وثالثا؛ إن “السنة” يتهمون “الشيعة” بالتقية وبالتستر على حقيقة عقيدتهم؛ فكيف لا يجد هؤلاء الشيعة مكانا يستضيفون فيه أولئك الدعاة السنة إلا حيث يمكن اكتشاف حقيقة ما “يكتمون” من “أسرار فاسد معتقداتهم”!!..
- وأما الذي لا يترك لك مجالا للشك في أن الصوتية مفبركة؛ فهو ما ختم به المتحدث كلامه حين قال: “فقلت لهم أنا إنني أفضل أن يقتلني الأعداء على أن أدخل هذا المكان”!!!
هكذا، بدا كما لو كان كل هؤلاء الدعاة مجرد بهائم سكتوا على هذا المنكر العظيم ولم يظهر ما يفيد استنكارهم له؛ إلا من رجل واحد منهم فقط.
— رابعا؛ والطامة الكبرى هي أنهم جميعا بمن فيهم المتكلم حرصوا على كتمان هذا الأمر الجلل؛ إذ ما كان لأحد منا أن يصله خبره لولا أنَّ “صدفةَ” تسببت في تسريب صوتية على الخاص يتحدث فيها أشجعهم وأشدهم حمية لدينه وعقيدته؛ حديثا عرضيا عن تلكم الواقعة الغريبة!!!
ثم أخيرا؛ لا آخرا:
لماذا في هذا التوقيت تحديدا ظهرت هذه الصوتية المنسوبة لواحد من أجل علماء الأمة مكانة، وأكثرهم أتباعا، وأعظمهم نفوذا على المسلمين في بلدنا خصوصا وفي بلدان أخرى عديدة؟!
هل للأمر علاقة بما عجزت عن تحقيقه حروب المعتوه والنتن؛ فأراد بعضهم تحقيق ذلك كله عن طريق بعث روح جديد طاحونة الدعايات الطائفية والمذهبية المزلزلة لأركان لحمة الأمة وائتلافها ووحدة شعوبها؟!!
أم أن المقصود هو الساحة الموريتانية تحديدا وحصرا؛ وذلك من خلال زيادة منافذ الانجرار للصراعات والنقاشات البزنطية العقيمة بعيدا عن الإشكالات والتحديات والمشكلات المتفاقمة في ظرف بالغ التعقيد والحساسية؟!.
مرة أخرى: الله أعلم.
فاللهم اهد شعوب أمتنا لما يجمع شملها، ويقوى أواصر وحدتها، ويجعل التناصح نهحا مقبولا ومأجورا بين جميع أبنائها وبناتها.
وصل اللهم وسلم وزد وبارك على نبينا، وحبيبنا، ورسولنا، وشفيعنا، وقرة أعيننا، وذخرنا عند لقاء ربنا: سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، والمسلمين.
محفوظ الحنفي







