بيان احتكار المظلومية وإقصاء الذاكرة الوطنية

أصدرت جهة باسم أحزاب RDP وAJD/MR بيانًا تحت عنوان «لا للخلط والتزييف فيما يتعلق بملف الإرث الإنساني»، هاجمت فيه وثيقة «الإنصاف الشامل وجبر الضرر» التي وقّعتها مئات الشخصيات الوطنية من مختلف المشارب السياسية والفكرية، ووصفت الموقّعين بالشوفينيين. وبغض النظر عن الجهة التي صاغت هذا البيان أو الدوافع التي تقف وراءه، فإن مضمونه يثير جملة من الملاحظات الجوهرية، لأنه لا يكتفي برفض مقاربة الإنصاف الشامل، بل يسعى إلى احتكار المظلومية وحصر الذاكرة الوطنية في ملف واحد، بما يحمله ذلك من إقصاء لمعاناة ضحايا آخرين، ومن إعادة إنتاج لخطاب الانقسام الذي تحتاج البلاد إلى تجاوزه لا إلى إحيائه من جديد.
فالبيان لا يكتفي بالدفاع عن خصوصية ملف معين، بل يتجاوز ذلك إلى نقل القضية من إطارها الوطني الجامع إلى إطار تصنيفي ضيق، من خلال الإيحاء بأن الانتهاكات استهدفت مكونًا واحدًا دون غيره، واعتبار كل دعوة إلى الإنصاف الشامل محاولةً لـ«تبييض المجازر» و«طمس الحقيقة».
وإذا كانت وثيقة الإنصاف الشامل وجبر الضرر قد دعت إلى الاعتراف بجميع الضحايا وجميع المظالم التي عرفتها البلاد، فإن هذا البيان يسعى إلى احتكار المظلومية وإقصاء معاناة فئات كبيرة من المواطنين، وهو ما يتناقض مع مبادئ العدالة والإنصاف والمصالحة الوطنية.
كما أن البيان يتجاهل عمدًا حقيقة أن المآسي التي عرفتها مناطق الضفة لم تنحصر في ضحايا جهة واحدة، بل شملت مواطنين من مختلف المكونات الوطنية على ضفتي النهر، وأن أعمال القتل والنهب والتهجير التي رافقت تلك الأحداث لم تكن حكرًا على طرف دون آخر. والأخطر من ذلك أن الخطاب الوارد فيه يبدو أقرب إلى الرواية التي دأبت بعض المجموعات المتطرفة على الترويج لها، وهي المجموعات التي شارك بعضها في تأجيج الصراع أو توفير الغطاء السياسي والإعلامي له، ثم وجدت في خطاب المظلومية الأحادية وسيلة لإخفاء مسؤولياتها التاريخية وتقديم نفسها باعتبارها الممثل الحصري للضحايا.
ومن هنا يحق للرأي العام أن يتساءل: هل من يدعو إلى مبدأ نقاش مظلوميات جميع المكونات الوطنية يستحق أن يُوصَف بالشوفينية، أم أن من ينصب نفسه سدًا في وجه إنصاف جميع الموريتانيين الذين تعرضوا للمظالم، ويحتكر حق طرح مظلومية واحدة تخص مكونه العرقي، هو الشوفيني؟
ولهذا فإن الأحزاب التي وُقِّع البيان باسمها مطالبة اليوم بتوضيح موقفها بصورة لا لبس فيها، بل وإعلان البراءة من هذا الخطاب إذا لم يكن معبرًا عن توجهاتها الحقيقية، لأن مستقبل المصالحة الوطنية لا يمكن أن يُبنى على احتكار المظلومية أو إقصاء جزء من الذاكرة الوطنية، وإنما على الاعتراف المتبادل بجميع المظالم، والتمسك بالحقيقة والعدالة والإنصاف للجميع.
سيدي محمد ولد اخليفه







