مقالات وآراء

النكبة الفلسطينية.. من تهجير 1948 إلى ألف يوم من الحرب على غزة

بين ذاكرة التهجير عام 1948 وواقع الحرب المستمرة على قطاع غزة، يحيي الفلسطينيون ذكرى النكبة هذا العام على وقع ألف يوم من الصراع، في مشهد يعيد إلى الواجهة واحدة من أطول المآسي الإنسانية والسياسية في التاريخ المعاصر، ويؤكد أن آثار النكبة لم تقتصر على الماضي، بل ما تزال تتجدد في حاضر الشعب الفلسطيني.

في الخامس عشر من مايو من كل عام، يستحضر الفلسطينيون، ومعهم ملايين العرب والمسلمين وأحرار العالم، ذكرى النكبة الفلسطينية، التي شكلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ المنطقة. فالنكبة لم تكن مجرد حدث وقع عام 1948، بل بداية قضية لا تزال تلقي بظلالها على الواقع السياسي والإنساني، بعدما تحولت إلى واحدة من أطول قضايا اللجوء والنزوح في العصر الحديث.

بدأت النكبة مع انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل في مايو 1948، لتندلع الحرب التي أسفرت عن تهجير نحو 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم، وتدمير أكثر من 500 قرية وبلدة، في واحدة من أكبر عمليات النزوح القسري في القرن العشرين.

وتحول مئات الآلاف إلى لاجئين في الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، بينما بقي آخرون نازحين داخل وطنهم، يحملون حتى اليوم ذاكرة المكان ومفاتيح البيوت ووثائق الملكية.

حق العودة… قضية لم تُغلق

ورغم مرور أكثر من سبعة وسبعين عامًا، لا تزال قضية اللاجئين الفلسطينيين في صدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويتمسك الفلسطينيون بحق العودة إلى ديارهم استنادًا إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الذي نص على حق اللاجئين في العودة والتعويض، فيما ظل تنفيذ القرار رهينًا لتعقيدات الصراع والمواقف السياسية المتباينة.

وخلال العقود التالية، تعمقت آثار النكبة مع احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عام 1967، وتعاقب الانتفاضات الفلسطينية، والحروب المتكررة على قطاع غزة، واستمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، لتبقى القضية الفلسطينية واحدة من أكثر الملفات حضورًا على الساحة الدولية.

القدس… قلب القضية

وتظل القدس في صميم القضية الفلسطينية، بما تمثله من مكانة دينية وتاريخية وسياسية. ويتمسك الفلسطينيون بالقدس الشرقية عاصمة لدولتهم المنشودة، بينما تؤكد قرارات الأمم المتحدة عدم الاعتراف بضم المدينة أو تغيير وضعها القانوني، في ظل استمرار الخلاف حول مستقبلها.

انعكاسات النكبة على العالمين العربي والإسلامي

لم تتوقف تداعيات النكبة عند حدود فلسطين، بل امتدت إلى العالمين العربي والإسلامي، حيث استقبلت دول عربية مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما فرض تحديات اقتصادية واجتماعية وإنسانية امتدت لعقود.

كما أصبحت القضية الفلسطينية محورًا رئيسيًا في الوعي العربي والإسلامي، ورمزًا للوحدة والتضامن، وأثرت في السياسات الإقليمية والعلاقات الدولية، وأسهمت في تشكيل جانب مهم من الفكر والثقافة والأدب العربي، لتغدو النكبة جزءًا من الذاكرة الجماعية للأمة، وليبقى الدفاع عن القدس وحقوق الشعب الفلسطيني حاضرًا في وجدان الشعوب العربية والإسلامية.

ألف يوم من الحرب… نكبة تتجدد في غزة

وتأتي ذكرى النكبة هذا العام بينما يدخل قطاع غزة يومه الألف من الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023، وسط دمار واسع النطاق وأزمة إنسانية غير مسبوقة.

ووفق أحدث البيانات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة، فقد تجاوز عدد الشهداء 73 ألفًا، فيما ارتفع عدد الجرحى إلى أكثر من 173 ألفًا، إضافة إلى نزوح معظم سكان القطاع، وتدمير أحياء سكنية كاملة، وتضرر المستشفيات والمدارس والبنية التحتية، واستمرار النقص الحاد في الغذاء والدواء والمياه والخدمات الأساسية. (AP News⁠)

ويرى كثير من الفلسطينيين أن ما يجري في غزة يمثل امتدادًا لمعاناة بدأت مع نكبة عام 1948، حيث تتكرر مشاهد التهجير وفقدان المأوى وتشتت الأسر، بينما تحذر الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من تفاقم الكارثة الإنسانية وتدعو إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق سلام عادل ودائم. (AP News⁠)

ذاكرة لا تغيب

وبالنسبة للفلسطينيين، فإن النكبة ليست ذكرى تاريخية انتهت قبل سبعة وسبعين عامًا، بل واقع مستمر يتجسد في الاحتلال والنزوح وفقدان الأرض، بينما ينظر الإسرائيليون المحتلون إلى قيام دولتهم باعتباره محطة تأسيسية في تاريخهم الوطني، وهو ما يعكس التباين العميق بين الروايتين التاريخيتين.

وبعد أكثر من سبعة عقود على النكبة، وألف يوم من الحرب على غزة، تبقى القضية الفلسطينية واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الضمير العربي والإسلامي والإنساني. وبين ذاكرة التهجير وواقع الدمار، يظل الأمل معقودًا على تحقيق سلام عادل وشامل يستند إلى القانون الدولي والقرارات الأممية، ويكفل الحقوق المشروعة، لينهي عقودًا طويلة من الصراع والمعاناة، ويمنح الأجيال القادمة فرصة للعيش بأمن وكرامة.

بقلم: تماد إسلم أيديه

صحفية وباحثة في الشأن العام

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى