مقالات وآراء

المجلس الأعلى للقضاء … استقلال العدالة ما يزال ورشًة غير مكتملة /ذ أحمد سالم بوحبيني

أعاد اجتماع المجلس الأعلى للقضاء المنعقد اليوم إلى الواجهة، مرة أخرى، قضيةً جوهرية تتعلق باستقلال السلطة القضائية في موريتانيا.

فمن خلال الاطلاع على قرارات التعيين والتحويل التي تم الإعلان عنها، يبرز انطباع مفاده أن القضاة ما زالوا يُنقلون ويُحوَّلون بسهولة تذكّر أكثر بإدارة الموظفين الإداريين وممثلي الدولة، منها بالمكانة الخاصة التي يفترض أن يتمتع بها القاضي. والحال أن الوظيفة القضائية تخضع لمبادئ دستورية متميزة، في مقدمتها مبدأ عدم قابلية قضاة الحكم للعزل أو النقل دون ضمانات قانونية، وهو ما يُعرف بمبدأ عدم القابلية للنقل.

وهذا المبدأ ليس امتيازًا ممنوحًا للقضاة، بل هو ضمانة للمواطن قبل كل شيء. فالقاضي الذي يخشى في أي وقت نقله أو تحويله بقرار ذي طابع سياسي، لا يتمتع بنفس القدر من الحماية التي يتمتع بها القاضي المستفيد من استقرار مهني تكفله النصوص القانونية. وفي الديمقراطيات الحديثة، يهدف هذا المبدأ تحديدًا إلى تمكين القاضي من الخضوع للقانون وضميره المهني فقط.

كما أن تركيبة المجلس الأعلى للقضاء نفسها تستحق وقفة تأمل. فكون المجلس ما يزال برئاسة رئيس الجمهورية، مع حضور مؤثر للسلطة التنفيذية داخله، يعكس تصورًا أخذت العديد من الدول تتجاوزه تدريجيًا. إذ إن الاتجاه السائد في الأنظمة القانونية الحديثة يتمثل في تعزيز استقلال هيئات تسيير شؤون القضاء، وتقليص التأثير المباشر للسلطة التنفيذية على المسار المهني للقضاة.

وتزداد أهمية هذا النقاش عند النظر إلى وضع النيابة العامة. فقد شهدت عدة دول خلال العقود الأخيرة إصلاحات هدفت إلى الحد من سلطة السلطة التنفيذية على أجهزة الادعاء العام، أو على الأقل إحاطتها بقيود وضمانات صارمة. والغاية من ذلك واضحة: يجب أن يُنظر إلى العدالة على أنها مستقلة ليس فقط عند إصدار الأحكام، بل أيضًا عند تحريك الدعوى العمومية ومباشرتها.

وفي موريتانيا، ما زال استمرار العلاقة الهرمية بين وزير العدل والنيابة العامة يثير تساؤلات حول مدى استقلالية الدعوى العمومية. وحتى لو لم تُمارس هذه السلطة عمليًا، فإن مجرد وجودها قد يترك مجالًا للشك في أذهان المواطنين.

إن القضية تتجاوز المصالح المهنية للقضاة. فاستقلال القضاء يُعد أحد الركائز الأساسية لدولة القانون، كما يمثل عنصرًا جوهريًا في تعزيز الثقة الاقتصادية. فالمستثمرون يبحثون عن قضاء قادر على الفصل في النزاعات بحياد تام، بعيدًا عن أي تأثير سياسي أو إداري. والمواطنون بدورهم يحتاجون إلى الاطمئنان إلى أن حقوقهم وحرياتهم ستكون محمية من قبل قضاة لا تتوقف مساراتهم المهنية على الجهات التي قد يجدون أنفسهم مطالبين بمراقبة أعمالها أو الفصل في منازعاتها.

إن استقلال القضاء لا يُقاس بالشعارات والخطابات، وإنما بالضمانات المؤسسية التي تكفله. وما لم يتم تكريس مبدأ عدم قابلية القضاة للنقل، وتعزيز استقلال المجلس الأعلى للقضاء، وضمان استقلالية النيابة العامة بصورة فعلية، فسيظل الانطباع قائمًا بأن العدالة ما تزال عرضة لتأثيرات لا تنسجم مع رسالتها الأساسية.
احمد سالم بوحبيني
18/06/2026

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى