الاقتصادأخبار وطنية

وفرة الثروة وغلاء المعيشة: لماذا لا تصل اللحوم والأسماك الموريتانية بأسعار ميسرة إلى المواطنين؟

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

مقارنة إقليمية تكشف ارتفاع كلفة اللحوم والأسماك في موريتانيا.. واتفاقية الصيد مع أوروبا تثير أسئلة حول العائد الاقتصادي ونصيب السوق المحلية

نواكشوط – التواصل

على الرغم من امتلاك موريتانيا ثروة حيوانية وسمكية معتبرة، واستمرار تصدير المواشي والمنتجات البحرية إلى الأسواق الخارجية، يواجه المستهلك المحلي ارتفاعاً متزايداً في أسعار اللحوم والأسماك، ما يطرح تساؤلات حول كفاءة استغلال هذه الموارد، ومدى انعكاس عائداتها على القدرة الشرائية للمواطنين.

وتكشف مقارنة الأسعار التي رصدتها وكالة التواصل في السوق الموريتانية خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب معطيات من أسواق المغرب والجزائر والسنغال ومالي خلال عام 2026، أن ارتفاع أسعار البروتين الحيواني ليس ظاهرة موريتانية منفردة، لكنه يكتسب أبعاداً خاصة في بلد يتمتع بموارد حيوانية وبحرية كبيرة.

وتتجاوز القضية مجرد ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية، لتشمل العلاقة بين الإنتاج والتصدير والتوزيع، وحجم القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد الوطني، ومدى استفادة المستهلك المحلي من الثروة السمكية، خصوصاً في ظل اتفاقية الصيد مع الاتحاد الأوروبي.

اللحوم والأسماك.. زيادات كبيرة في السوق الموريتانية

أظهرت مقارنة نشرتها وكالة التواصل في 15 أغسطس 2026، بين أسعار يوليو 2019 والأسعار المتداولة في السوق خلال 2026، ارتفاعات كبيرة في أسعار اللحوم والأسماك.

فقد ارتفع سعر كيلوغرام لحم الإبل من نحو 700 أوقية قديمة إلى قرابة 3000 أوقية، كما ارتفع لحم البقر من متوسط 700 أوقية إلى نحو 3000 أوقية، بزيادة تقارب 329%.

أما لحم الضأن والماعز، فقد ارتفع متوسط سعره من نحو 2250 أوقية قديمة إلى 4250 أوقية، بزيادة تقارب 89%.

وفي سوق الأسماك، ارتفع سعر كيلوغرام سمك «أزول» الجيد من 1000–1500 أوقية قديمة إلى 3000–3500 أوقية، فيما ارتفع سعر «كيبارو» من نحو 1000 إلى 2300 أوقية، وسمك «سق» من 2000 إلى 4000 أوقية، و«لمليسة» من 1200 إلى 2500 أوقية.

كما سجلت بعض الأنواع زيادات أكبر؛ إذ ارتفع سعر سمك «تياس» الصغير، وفق المقارنة الميدانية، من نحو 25 أوقية للسمكة إلى 200 أوقية، فيما ارتفع سعر السردين المعروف محلياً باسم «ياي بوي» من نحو 50 إلى 350 أوقية قديمة للسمكة.

ولا تمثل هذه المقارنة سلسلة إحصائية رسمية متصلة، بل تقارن أسعاراً مرجعية جُمعت ميدانياً في فترتين مختلفتين، مع تفاوت الأسعار بحسب النوع والحجم والجودة ومكان البيع.

وفي تقرير آخر نشرته الوكالة يوم 12 سبتمبر 2026، برزت زيادات إضافية بين مستويات فبراير 2025 وسقوف الأسعار المعلنة في سبتمبر 2026.

فقد ارتفع سقف سعر لحم الإبل والبقر من 2100 إلى 3000 أوقية قديمة للكيلوغرام، أي بنحو 43%، فيما ارتفع سقف سعر لحم الغنم من 2700 إلى 3700 أوقية، بزيادة تقارب 37%.

وفي الأسماك، ارتفع سعر بعض الأنواع الكبيرة من 700–800 أوقية قديمة إلى نحو 2200 أوقية، بينما صعدت أسعار أنواع أخرى من نحو 2500 إلى ما بين 4000 و4500 أوقية للكيلوغرام.

وتشير هذه المعطيات إلى أن ارتفاع الأسعار لا يقتصر على اللحوم الحمراء، بل يمتد إلى الأسماك التي يفترض أن تشكل مورداً غذائياً متاحاً للمواطنين بحكم الموقع البحري للبلاد وغنى مياهها بالثروة السمكية.

مقارنة مع دول الجوار: أسعار متقاربة وفوارق بحسب النوع والسوق

تظهر المقارنة مع بعض دول الجوار أن أسعار اللحوم الحمراء في موريتانيا ليست دائماً الأدنى، رغم امتلاكها ثروة حيوانية كبيرة. كما أن أسعار الأسماك تتفاوت بصورة واسعة تبعاً لنوع السمك ومصدره وتكاليف نقله وتسويقه.

في موريتانيا، تبلغ السقوف المعلنة في نواكشوط نحو 3000 أوقية قديمة للكيلوغرام من لحم البقر والإبل، و3700 أوقية للغنم، أي ما يعادل تقريباً 7.5 و9.25 دولارات، باعتماد سعر صرف تقريبي قدره 400 أوقية قديمة للدولار. غير أن هذه السقوف لا تعكس بالضرورة الأسعار الفعلية في جميع الأسواق، ولا سيما في المدن والمناطق التي ترتفع فيها تكاليف التموين والنقل.

أما الأسماك، فتتراوح الأسعار المرصودة في نواكشوط بين أقل من 2000 أوقية قديمة لبعض الأنواع وأكثر من 4500 أوقية لأنواع أخرى، بحسب الحجم والجودة.

وفي المغرب، أظهرت تقارير ميدانية نشرتها صحيفة «Le360» في أكتوبر 2026 أن سعر كيلوغرام لحم البقر تراوح في الدار البيضاء بين 100 و160 درهماً، أي نحو 10–16 دولاراً، فيما تراوح لحم الأغنام بين 140 و180 درهماً، أي 14–18 دولاراً.

وفي سوق السمك، تراوح سعر السردين بين 12 و25 درهماً للكيلوغرام، والماكريل بين 15 و30 درهماً، أي نحو 1.2–2.5 دولار للسردين و1.5–3 دولارات للماكريل.

أما في الجزائر، فتُظهر البيانات المتاحة تفاوتاً بين أسعار اللحوم المستوردة والمحلية. وتبلغ الأسعار الرسمية للحوم الحمراء المستوردة نحو 1200 دينار للكيلوغرام من دون عظم، و1350 ديناراً بالعظم، أي قرابة 8.9 و10 دولارات وفق سعر صرف تقريبي قدره 135 ديناراً للدولار.

وفي المقابل، تجاوز سعر لحم البقر المحلي 2600 دينار للكيلوغرام في بعض المناطق خلال موسم عيد الأضحى، ووصل لحم الغنم المقطع إلى نحو 3500 دينار لدى بعض الباعة.

أما الأسماك، فقد بلغ سعر السردين في رصد محلي بمدينة عنابة نحو 333 ديناراً للكيلوغرام، أي قرابة 2.5 دولار، فيما وصل سعر الأنشوبة الكبيرة إلى 800 دينار، وأبو سيف إلى 1600 دينار للكيلوغرام.

وفي السنغال، وفق البيانات الإحصائية المنشورة على منصة «Sunu Prix»، بلغ متوسط سعر كيلوغرام لحم البقر بالعظم في داكار 4714 فرنكاً إفريقياً خلال يوليو 2026، أي نحو 7.9 دولارات. وتختلف الأسعار بين المناطق السنغالية، إذ سجلت بعض المناطق متوسطات أقل من داكار.

ولم تتوفر في المصادر المستخدمة بيانات حديثة متجانسة تسمح بإجراء مقارنة دقيقة لأسعار السمك الطازج في السنغال مع الأسعار الموريتانية.

وفي مالي، أظهرت بيانات رسمية نشرتها الحكومة أن متوسط السعر الوطني للحم البقر بالعظم ارتفع من 3211 فرنكاً إفريقياً في نهاية أبريل إلى 3502 فرنك خلال الفترة من 28 سبتمبر إلى 4 أكتوبر 2026.

وفي باماكو، تراوح سعر الكيلوغرام من اللحم بالعظم بين 4300 و4500 فرنك، أي نحو 7.2–7.5 دولارات، فيما بلغ سعر اللحم دون عظم نحو 5000 فرنك، أي قرابة 8.3 دولارات.

وفي جولة ميدانية نشرتها إذاعة «ستوديو تاماني» يوم 21 أكتوبر، استمرت أسعار لحم الغنم عند نحو 5000 فرنك للكيلوغرام، فيما تراوح البقر دون عظم بين 4500 و5000 فرنك.

ولا تتوفر بيانات حديثة متجانسة تسمح بمقارنة أسعار السمك الطازج في مالي بالأسعار الموريتانية، نظراً لاختلاف طبيعة الأسواق ومصادر الإمداد وأنواع المنتجات المتداولة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المقارنة لا تقوم على أسعار متجانسة تماماً؛ فبعض الأرقام تمثل سقوفاً حكومية، وأخرى أسعاراً فعلية في محلات الجزارة أو متوسطات إحصائية، كما تختلف أنواع اللحوم وطرق تقطيعها ومواصفات الأسماك.

اتفاقية الصيد مع الاتحاد الأوروبي.. كم يبلغ المقابل الحسابي للكيلوغرام؟

تكتسب المقارنة الموريتانية بعداً إضافياً عند النظر إلى اتفاقية الشراكة في مجال الصيد المستدام بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي، التي تتيح لسفن أوروبية من عشر دول الوصول إلى المياه الموريتانية مقابل مساهمة مالية ورسوم مرتبطة بالصيد.

وبحسب بيانات المفوضية الأوروبية، تبلغ المساهمة المالية السنوية للاتحاد الأوروبي 60.8 مليون يورو، مقابل فرص صيد تصل إلى 280,050 طناً سنوياً من الأسماك والروبيان، موزعة على فئات مختلفة من المصايد.

وعند توزيع المساهمة المالية السنوية على الكمية القصوى المسموح بصيدها، يكون المقابل الحسابي نحو 217 يورو للطن، أو 0.217 يورو للكيلوغرام، أي ما يعادل قرابة 87 أوقية قديمة للكيلوغرام وفق سعر الصرف المستخدم في حساب وكالة التواصل.

وإذا أضيفت رسوم السفن والمشغلين، المقدرة بنحو 36.5 مليون يورو سنوياً عند استغلال الحصص كاملة، يرتفع المقابل الحسابي إلى نحو 139 أوقية قديمة للكيلوغرام.

وفي المقابل، يصل سعر بعض أنواع الأسماك في الأسواق الموريتانية إلى 4500 أوقية قديمة للكيلوغرام، وفق الأسعار التي رصدتها الوكالة في سبتمبر 2026.

لكن من الضروري التأكيد أن هذه القسمة الحسابية لا تمثل سعر بيع السمك في أوروبا، ولا سعراً تجارياً فعلياً تدفعه السفن مقابل كل كيلوغرام من الأسماك، وإنما تقارن بين المقابل المالي للاتفاقية والحد الأقصى للكميات المسموح بصيدها. كما أن رسوم المشغلين تختلف بحسب نوع السفينة والسمك المصطاد، ولا يعني سقف الحصة أن الكمية كلها تُصاد فعلياً، كما يوجد تفاوت كبير بين أسعار انواع الأسماك المصطادة.

وتتضمن الاتفاقية أيضاً غلافاً مالياً بقيمة 16.5 مليون يورو على امتداد فترة البروتوكول لدعم التنمية المستدامة لقطاع الصيد الموريتاني، بما يشمل المراقبة والبحث العلمي ومكافحة الصيد غير القانوني ودعم المصايد الحرفية.

ويغطي البروتوكول الحالي الفترة من 15 نوفمبر 2021 إلى 14 نوفمبر 2026، ما يجعل تقييم نتائجه ومراجعة شروطه أمراً مهماً في النقاش حول مستقبل الشراكة البحرية بين الطرفين.

هل تعني الاتفاقية أن السمك الموريتاني يباع في أوروبا بهذا السعر؟

لا. فالمقابل الحسابي البالغ نحو 87 أوقية قديمة للكيلوغرام، أو 139 أوقية عند إضافة رسوم المشغلين، لا يمثل سعر السمك في الأسواق الأوروبية.

فالأسعار الأوروبية النهائية تتأثر بنوع السمك وجودته وحجم المعروض وتكاليف الصيد والتجميد والنقل والتخزين والتوزيع والضرائب وهوامش التجارة. كما أن الاتفاقية لا تشمل جميع الأنواع بالطريقة نفسها، بل تحدد رسوماً مختلفة بحسب فئات المصايد.

ومن ثم، فإن معرفة القيمة التجارية الحقيقية للسمك الموريتاني في أوروبا تتطلب بيانات عن الكميات المصطادة فعلياً، والأنواع المصدرة، وأسعار التصدير عند مغادرة الموانئ، وأسعار البيع في الأسواق المستقبلة.

وتبرز هنا أهمية نشر بيانات دورية مفصلة عن صادرات المنتجات البحرية، وقيمتها، والوجهات التي تصل إليها، ونصيب الأسطول الوطني والمؤسسات الموريتانية من سلسلة القيمة.

وفرة الإنتاج لا تضمن انخفاض الأسعار

توضح المعطيات أن ارتفاع أسعار الأسماك في نواكشوط لا يرتبط بعامل واحد. فقد نقلت تقارير ميدانية في سبتمبر 2026 عن مهنيين في القطاع أن تراجع نشاط بعض الصيادين والقوارب خلال فترة الراحة أدى إلى انخفاض الكميات المعروضة، فيما ساهم ارتفاع تكاليف التشغيل، خصوصاً الثلج المستخدم في حفظ الأسماك، في زيادة الأسعار.

كما أن المسافة بين مناطق الصيد والأسواق الداخلية، وضعف وسائل التخزين والتبريد والنقل، وتعدد الوسطاء، يمكن أن تؤثر في السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.

وفي اللحوم، تبرز عوامل أخرى، من بينها تكاليف الأعلاف والنقل، وتوزيع المواشي بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، وأسعار التصدير، ومدى انتظام تموين الأسواق المحلية.

وتشير التجربة المالية، وفق تصريحات حكومية، إلى أن تكاليف الإنتاج والنقل وصعوبات التموين واضطراب بعض مسارات التسويق كانت ضمن العوامل التي ناقشتها السلطات مع المهنيين سعياً إلى الحد من ارتفاع الأسعار.

لكن تحديد الوزن الفعلي لكل عامل في الحالة الموريتانية يحتاج إلى بيانات أكثر تفصيلاً عن الإنتاج المحلي والتصدير والاستهلاك وتكاليف النقل وهوامش الوساطة.

ما الذي يمكن أن يجعل الثروة في خدمة المستهلك؟

تكشف المقارنة أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يكفي وحده لضمان أسعار ميسرة، ما لم يصاحبه تنظيم فعال للإنتاج والتوزيع والتسويق، وسياسات توازن بين التصدير وتلبية الطلب المحلي.

وفي قطاع الصيد، يبرز عدد من الملفات التي تستحق المعالجة، من بينها تعزيز الرقابة على الكميات المصطادة، وتطوير أسطول الصيد الوطني، وتحسين قدرات التخزين والتبريد، وتوسيع شبكة توزيع الأسماك في الداخل، وتوفير بيانات شفافة عن الصادرات والأسعار والعائدات.

كما تطرح اتفاقية الصيد مع الاتحاد الأوروبي أسئلة تتجاوز قيمة المساهمة المالية السنوية، إلى مدى انعكاسها على فرص العمل والاستثمار المحلي ونقل التكنولوجيا وتطوير الصناعات البحرية، ومدى استفادة السوق الوطنية من الموارد التي يتم استغلالها.

وفي قطاع المواشي، تظل مسألة تنظيم أسواق الإنتاج والنقل والتصدير، وتوفير الأعلاف، وتطوير المسالخ والتبريد والتوزيع، من بين الملفات الأساسية التي يمكن أن تسهم في الحد من الفجوة بين وفرة الثروة وارتفاع أسعار اللحوم.

من وفرة الموارد إلى الأمن الغذائي

لا تعني هذه المقارنة أن الأسعار في موريتانيا أعلى من جميع دول الجوار، كما لا تثبت أن اتفاقية الصيد وحدها مسؤولة عن ارتفاع أسعار الأسماك محلياً. لكنها تبرز مفارقة تستحق النقاش؛ فبلد يمتلك موارد بحرية وحيوانية كبيرة، يواجه مواطنوه صعوبة متزايدة في الحصول على اللحوم والأسماك بأسعار تتناسب مع دخولهم.

ويظل التحدي الأساسي هو الانتقال من منطق إنتاج الثروة وتصديرها إلى بناء سلاسل اقتصادية تضمن الاحتفاظ بجزء أكبر من قيمتها داخل البلاد، وتوفر فرص العمل، وتدعم الصناعات التحويلية، وتحسن تموين الأسواق المحلية.

فالمعيار الحقيقي لنجاح استغلال الثروة السمكية والحيوانية لا يقتصر على حجم الإنتاج أو قيمة الصادرات أو الإيرادات التي تدخل الخزينة، بل يشمل أيضاً أثر ذلك على الأمن الغذائي والقدرة الشرائية ومستوى معيشة المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى