روسيا تستخدم الفيتو ضد مشروع أمريكي بشأن الصحراء الغربية.. ومجلس الأمن يفشل في تجديد ولاية المينورسو

استخدمت روسيا، مساء الجمعة، حق النقض «الفيتو» ضد مشروع قرار أمريكي بشأن الصحراء الغربية، كان يدعو إلى اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية أساساً وحيداً للمفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع، في تطور يعكس استمرار الانقسام الدولي بشأن مستقبل الإقليم المتنازع عليه.
وحصل المشروع الأمريكي على تأييد 11 عضواً من أصل 15 في مجلس الأمن، مقابل معارضة روسيا وامتناع الصين وباكستان والصومال عن التصويت، غير أن الفيتو الروسي حال دون اعتماده.
وكان المشروع يقترح تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو» لعام إضافي، مع إدخال تغييرات جوهرية على مهامها وتسميتها، من بينها حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسمها، وإعادة هيكلة حضورها العسكري، تمهيداً لإنهاء مهمتها بصيغتها الحالية وإنشاء إطار أممي ذي طبيعة سياسية.
وفي المقابل، فشل مشروع روسي بديل يقضي بتمديد ولاية البعثة عاماً إضافياً دون تغيير مهامها، بعدما حصل على ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، مقابل معارضة الولايات المتحدة وامتناع 11 عضواً عن التصويت.
وبذلك أخفق مجلس الأمن في التوصل إلى اتفاق بشأن تجديد ولاية البعثة التي انتهت في 31 أكتوبر 2026، ما يفتح مرحلة جديدة من الغموض بشأن مستقبل الوجود الأممي في الإقليم وآليات مراقبة الوضع الأمني فيه.
وبررت موسكو استخدام الفيتو برفض ما وصفته بمحاولة فرض تسوية أحادية، معتبرة أن المشروع الأمريكي يتبنى بصورة حصرية المقترح المغربي، ولا يضمن معالجة مسألة تقرير المصير وفق المرجعيات الأممية. في المقابل، دافعت واشنطن عن مشروعها باعتباره خطوة ضرورية لتحريك المسار السياسي وإنهاء حالة الجمود المستمرة منذ عقود.
خلفية نزاع يمتد لنصف قرن
وتعود جذور النزاع إلى عام 1975، عندما انسحبت إسبانيا من الصحراء الغربية، التي كانت خاضعة للاستعمار الإسباني، بعد توقيع اتفاق مدريد في نوفمبر من العام نفسه، الذي ترتبت عليه إدارة مشتركة مغربية موريتانية للإقليم، دون أن يحسم الوضع النهائي للإقليم وفق مسار تصفية الاستعمار الذي كانت ترعاه الأمم المتحدة.
وأدى التطور إلى اندلاع حرب بين المغرب وجبهة البوليساريو، التي تأسست عام 1973 لمقاومة الوجود الاستعماري الإسباني، ثم تبنت المطالبة باستقلال الإقليم، وحظيت بدعم الجزائر.
كما انخرطت موريتانيا في النزاع عسكرياً خلال مرحلته الأولى، قبل أن تتخلى عن مطالبها الإقليمية بموجب اتفاق السلام الموقع مع جبهة البوليساريو عام 1979، وتنسحب من الحرب، فيما تولى المغرب إدارة الجزء الذي كانت موريتانيا تسيطر عليه.
واستمرت المواجهات بين المغرب والبوليساريو حتى عام 1991، عندما توصل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة، تضمن التحضير لاستفتاء يتيح لسكان الإقليم الاختيار بين الاستقلال والاندماج مع المغرب.
وفي أبريل 1991، أنشأ مجلس الأمن بعثة «مينورسو» للإشراف على وقف إطلاق النار وتنظيم الاستفتاء، غير أن الخلافات بشأن تحديد هوية الناخبين المؤهلين للمشاركة، وطبيعة الهيئة الناخبة، حالت دون تنظيمه، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق.
تعقيدات إقليمية وتداعيات مستمرة
ولم يظل النزاع محصوراً في الصحراء الغربية، بل تحول إلى أحد أبرز مصادر التوتر في منطقة المغرب العربي، خصوصاً بفعل تباين مواقف المغرب والجزائر، حيث تدعم الأخيرة جبهة البوليساريو وتؤكد حق الصحراويين في تقرير المصير، بينما يعتبر المغرب الإقليم جزءاً من أراضيه ويطرح الحكم الذاتي تحت سيادته باعتباره أساساً لتسوية النزاع.
وألقى هذا الخلاف بظلاله على العلاقات الثنائية بين الرباط والجزائر، التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية عام 2021، كما ساهم في تعثر مسار التكامل المغاربي وتعطيل مؤسسات اتحاد المغرب العربي، فضلاً عن استمرار إغلاق الحدود البرية بين البلدين منذ عام 1994.
وتجاوزت تداعيات النزاع البعد الدبلوماسي لتشمل الجوانب الأمنية والاقتصادية، في منطقة تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب والهجرة غير النظامية، فضلاً عن تعقيدات التعاون الأمني بين دول الساحل وشمال إفريقيا.
كما ظلت موريتانيا معنية بصورة مباشرة بتطورات الملف، بحكم موقعها الجغرافي وحدودها مع الإقليم، وارتباط أمنها واستقرارها بالتوازنات القائمة بين المغرب والجزائر، فضلاً عن تأثير النزاع على فرص تطوير المبادلات التجارية والربط البري والتعاون الإقليمي.
وقد حافظت نواكشوط على سياسة تقوم على تجنب الانحياز إلى أي من طرفي التنافس الإقليمي، مع دعم الجهود الأممية الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية مقبولة، وهو موقف تفرضه خصوصية موقعها ومصالحها الأمنية والاقتصادية.
وكان اتفاق وقف إطلاق النار قد شهد انتكاسة في نوفمبر 2020، عندما أعلنت جبهة البوليساريو استئناف الكفاح المسلح، عقب أحداث منطقة الكركرات، لتعود المواجهات العسكرية المحدودة بين الطرفين، وسط استمرار عمل البعثة الأممية في مراقبة التطورات الميدانية.
ويأتي التطور الأخير في مجلس الأمن ليضيف تعقيداً جديداً إلى النزاع، في ظل تنافس دولي بشأن مرجعيات التسوية ومستقبل بعثة المينورسو، ومخاوف من أن يؤدي غياب آلية أممية لمراقبة الوضع الميداني إلى زيادة احتمالات التصعيد وإضعاف فرص التوصل إلى حل سياسي دائم.







