أخبار وطنيةمقالات وآراء

“إلى أين نسير”؟ حين يصبح الفساد سؤال التنمية بعد 66 سنة من “الاستقلال” … ؟

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

نواكشوط – التواصل
حين طرح المختار ولد داداه، في السنوات الأولى من بناء الدولة الموريتانية، سؤال «إلى أين نسير؟»، كانت موريتانيا تتلمس طريقها وسط ظروف بالغة الصعوبة؛ حيث كانت دولة حديثة الاستقلال، مواردها محدودة، مؤسساتهت في طور التأسيس، واقتصادها لا يكاد يمتلك مقومات الدولة التي تسعى إلى بنائها.

واليوم يعود السؤال نفسه، لكن موريتانيا التي تطرحه ليست موريتانيا الأمس.

فالدولة أصبحت تملك موارد ضخمة من الحديد والذهب والنحاس والثروة السمكية، ودخلت مرحلة إنتاج الغاز، فضلاً عن إمكانات زراعية وحيوانية ومعدنية أخرى. وأصبحت المداخيل العامة وحجم الميزانية والتمويلات الخارجية أكبر بكثير مما كانت عليه في مرحلة التأسيس.

ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً؛ لماذا لا يشعر المواطن بقدر يتناسب مع حجم هذه الثروة؟

ربما يكون مفتاح الإجابة في كلمة واحدة هي الحوكمة.

فالثروة لا تتحول تلقائياً إلى تنمية. والموارد الطبيعية لا تصبح مدارس ومستشفيات ومصانع وفرص عمل بمجرد استخراجها. لأن الذي يحول الثروة إلى تنمية هو وجود دولة ذات إدارة كفؤة، ومال عام محمي، ومؤسسات تخضع للمساءلة، وقرارات تقوم على الكفاءة، ونظام لا يسمح بتحويل الوظيفة العمومية والصفقات والامتيازات إلى أدوات لتوزيع الريع.

وهنا تظهر إحدى أكبر المفارقات في التاريخ الاقتصادي الموريتاني. فقد ارتبطت مرحلة تأسيس الدولة، في الذاكرة العامة الواسعة لدى الموريتانيين، بصورة إدارة أكثر صرامة في التعامل مع المال العام، وأقل تعرضاً لشبهات الرشوة والإثراء غير المشروع، وباختيار المسؤولين على أساس الكفاءة والخبرة أكثر من اعتبارات الولاء والمحسوبية والجهوية والزبونية.

ولا يعني ذلك أن تلك المرحلة كانت خالية من كل مخالفة أو أن موظفاً أو مسؤولاً لم يرتكب خطأ أو تجاوزاً، وإنما يعني أن الفساد لم يتحول آنذاك إلى ظاهرة بنيوية تحكم توزيع الموارد وعلاقات الدولة بالمجتمع كما تصف بعض الدراسات الدولية مراحل لاحقة من تاريخ البلاد.

أما في العقود التالية، فقد أصبح الفساد والزبونية والمحسوبية وسوء إدارة الموارد العامة جزءاً متكرراً من تشخيص مشكلات الدولة الموريتانية، باعتراف رؤساء البلاد أنفسهم وعلى رأسهم الرئيس الغزواني.

وقد وثقت دراسات للبنك الدولي مظاهر ضعف الحوكمة والفساد، وربطت مراحل من التاريخ الموريتاني باقتصاد الريع وشبكات الولاء، بل أشارت إلى أن تغير الحكومات كان يصاحبه في أحيان كثيرة استبدال شبكات محسوبية بأخرى، بدلاً من القضاء على منطق المحسوبية نفسه.

وهذه ليست مسألة أخلاقية فقط، بل مسألة تنمية.
فكل أوقية تذهب إلى صفقة غير فعالة هي أوقية لا تذهب إلى مشروع منتج.
وكل تعيين على أساس الولاء بدلاً من الكفاءة هو احتمال لإضعاف مؤسسة. وكل امتياز يمنح خارج المنافسة هو فرصة قد تضيع على مستثمر أو شركة أخرى.

وكل مورد طبيعي يستخرج ويصدر دون بناء قيمة مضافة محلية هو جزء من الثروة يغادر الاقتصاد دون أن يخلق بالضرورة ما يكفي من الوظائف والصناعات والمهارات.

لهذا فإن السؤال عن الفساد يجب ألا يطرح باعتباره سؤالاً عن «لصوص المال العام» فقط.
إنه سؤال عن نموذج الدولة نفسه كان نتساءل: أي دولة نريد؟ دولة تستطيع حماية المال العام، أم دولة تستطيع فقط زيادة حجم الإنفاق؟
دولة تختار المسؤول على أساس الكفاءة، أم على أساس القرب والولاء؟
دولة تحول الثروة إلى إنتاج، أم دولة تكتفي بتحصيل عائدات استخراجها؟
دولة تجعل المواطن شريكاً في ثروته الوطنية، أم مواطناً يسمع عن الذهب والحديد والغاز والسمك أكثر مما يرى آثارها في حياته المعيشية؟
وهنا يصبح سؤال «إلى أين نسير؟» أكثر إلحاحاً، لأن موريتانيا لم تعد تملك عذر ندرة الموارد الذي كان قائماً في بدايات الدولة. ولم تعد تملك عذر حداثة الاستقلال، كما لم تعد تملك عذر غياب الموارد الطبيعية.

إنها تملك اليوم موارد مالية وطبيعية أكبر، لكنها تواجه تحدياً آخر وهو هل تستطيع أن تبني المؤسسات القادرة على إدارة هذه الثروة بكفاءة ونزاهة؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.

فإذا كانت الثروة تزداد، بينما يظل المواطن يعاني من البطالة وارتفاع الأسعار وضعف الخدمات، فإن السؤال لا يتعلق بكم نملك؟ بل: كم نخلق من قيمة؟ وكم نوفر من وظائف؟ وكم يبقى داخل الاقتصاد الوطني؟ وكم يصل من المال العام إلى مستحقيه؟

لقد حققت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تقدماً في بعض جوانب الشفافية والإصلاح، كما اتخذت إجراءات وقوانين مرتبطة بمكافحة الفساد، لكن المؤسسات الدولية ما تزال تعتبر الحوكمة ومكافحة الفساد وتنويع الاقتصاد من الملفات التي تحتاج إلى مزيد من العمل.

لذلك ربما تكون الإجابة الأكثر واقعية عن سؤال «إلى أين نسير؟» هي أن موريتانيا تقف أمام مفترق طرق لا يتعلق فقط بحجم ثرواتها، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الثروات.

فقد تكون لدينا ثروات هائلة، وقد تكون لدينا موازنات أكبر، وقد نحصل على قروض وتمويلات بمليارات، وقد يدخل الغاز والمعادن والصيد أرقاماً ضخمة إلى حسابات الاقتصاد.

لكن من دون دولة كفؤة ونزيهة، قد يتحول جزء كبير من هذه الثروة إلى مجرد أرقام في الحسابات العامة.

أما إذا أصبحت محاربة الفساد جزءاً من مشروع التنمية نفسه، لا مجرد حملة موسمية، وإذا أصبحت الكفاءة معياراً للتعيين، والشفافية قاعدة للصفقات، والمساءلة آلية دائمة لحماية المال العام، وتحولت الموارد الخام تدريجياً إلى صناعات وقيمة مضافة وفرص عمل، فإن سؤال «إلى أين نسير؟» يمكن أن يتحول أخيراً من سؤال للقلق إلى سؤال للمستقبل.

إن موريتانيا ليست فقيرة، فهي تملك ثروات كثيرة. غير السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه هو؛ لماذا لا يرى المواطن أثر هذه الثروات في حياته؟

ذلك أن الثروة وحدها لا تبني دولة، كما أن زيادة الموازنات وتعدد المشاريع وتدفق القروض لا تكفي لصناعة التنمية. إن ما يصنع الفارق هو نوع الدولة التي تدير هذه الموارد، ومدى قدرتها على حماية المال العام، وترسيخ الكفاءة، وفرض الشفافية والمساءلة، ومنع تحويل الوظيفة والصفقة والامتياز العام إلى أدوات للمحسوبية وتوزيع الريع.

ومن هنا، فإن السؤال «إلى أين نسير؟» سيظل مطروحاً، مهما ارتفعت عائدات المعادن والغاز ومهما تضاعفت الموازنات، ما لم تُعالج ظاهرة الفساد من جذورها وأسبابها، لا باعتبارها مجرد مخالفات فردية، وإنما باعتبارها أحد أكبر العوائق أمام بناء الدولة وتحقيق التنمية.

وسيظل السؤال قائماً ما لم تتحول ثروات البلاد إلى فرص حقيقية للمواطنين، وإلى تعليم وصحة وبنية تحتية وإنتاج وفرص عمل، وما لم يشعر الموريتاني أن ثروات بلده ليست أرقاماً يسمع عنها، وإنما حقوقاً تنعكس على حياته ومستقبل أبنائه.

كما سيظل السؤال قائماً ما لم تترسخ دولة القانون والمؤسسات، ويصبح القانون فوق الأشخاص والمصالح، وتصبح الكفاءة معياراً لتولي المسؤولية، والمواطنة أساساً للحقوق والواجبات، والمساءلة قاعدة لا تستثني أحداً، عندها فقط يمكن أن يصبح للسؤال «إلى أين نسير؟» جوابا واضحا.

أما قبل ذلك، فسيظل السؤال نفسه يعود، من جيل إلى جيل، ومن رئيس إلى رئيس. إلى أين نسير ببلد يملك كل هذه الثروات، ولا يزال يبحث عن الطريق الذي يجعلها ثروةً لمواطنيه؟

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى