مقالات وآراء

الأقصى والحرم الإبراهيمي.. حين تتحول الانتهاكات إلى أمر واقع

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

بقلم: تماد إسلم إيديه

لم تعد الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى المبارك والحرم الإبراهيمي الشريف مجرد أحداث عابرة، بل باتت تكشف عن مسار متصاعد يهدد الوضع التاريخي والقانوني القائم في أقدس المقدسات الإسلامية في القدس والخليل.

فخلال الأيام الأخيرة، اقتحم مئات المستوطنين باحات المسجد الأقصى بحماية من شرطة الاحتلال الإسرائيلي، وأدوا طقوساً وصلوات جماعية داخل باحاته، فيما اقتحم وزير “الأمن القومي الإسرائيلي” إيتمار بن غفير الحرم الإبراهيمي في الخليل، بالتزامن مع إغلاقه أمام المصلين الفلسطينيين خلال الأعياد اليهودية.
وأفادت أوقاف القدس بأن 1462 مستوطناً اقتحموا الأقصى الثلاثاء وحده.

والأخطر أن هذه الممارسات لم تعد تقتصر على مجموعات من المستوطنين، بل بات “مسؤولون إسرائيليون بارزون” يشاركون فيها، الأمر الذي يمنحها بعداً سياسياً واضحاً، ويثير مخاوف متزايدة من محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض.

انتهاك للقانون الدولي

المشكلة ليست في غياب القواعد القانونية التي تحمي المقدسات، وإنما في مدى القدرة على تنفيذها.

فالأمم المتحدة أكدت مراراً ضرورة احترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في الأماكن المقدسة بالقدس، كما شددت على ضرورة الحفاظ عليه، ورفض الإجراءات التي تهدد طابع هذه المواقع وحرية العبادة فيها.

كما تواصل المؤسسات الدولية متابعة الوضع في الحرم الإبراهيمي، وسط مخاوف من إجراءات تمس طابعه التاريخي ومكانته الدينية.

وهنا تبرز المفارقة: قواعد القانون الدولي موجودة، والقرارات الدولية موجودة، لكن آليات الردع والمحاسبة تظل محدودة.

لماذا لا يتحول الاستنكار الدولي إلى ضغط؟

ليس دقيقاً القول إن العالم صامت تماماً؛ فقد صدرت إدانات ومواقف دولية متكررة. لكن السؤال الأهم هو: لماذا لا تتحول هذه الإدانات إلى إجراءات قادرة على وقف الانتهاكات؟

يرتبط ذلك بموازين القوة السياسية والدبلوماسية، وبالدعم الذي تحظى به “إسرائيل” من قوى دولية مؤثرة، إضافة إلى المصالح الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية التي تجعل بعض الدول مترددة في استخدام أدوات ضغط حقيقية.

وهكذا أصبحت البيانات الدولية والعربية تتكرر، بينما تستمر الوقائع على الأرض في الاتجاه نفسه.

وماذا عن العرب والمسلمين؟

لا يمكن وصف الموقف العربي والإسلامي بأنه صمت كامل، فقد صدرت خلال الأيام الأخيرة إدانات واضحة لاقتحامات الأقصى والحرم الإبراهيمي. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل تكفي الإدانة وحدها؟

فالعالم العربي والإسلامي يمتلك أوراقاً سياسية ودبلوماسية واقتصادية مهمة، كما يمتلك حضوراً واسعاً في المؤسسات الدولية، لكن المشكلة تكمن في غياب استراتيجية جماعية قادرة على تحويل هذه الأوراق إلى ضغط فعلي ومستمر.

كما أن اختلاف الحسابات والمصالح بين الدول يجعل التحرك الجماعي أكثر صعوبة، فتتحول قضية المقدسات أحياناً من أولوية استراتيجية إلى ملف من ملفات السياسة الخارجية.

الخطر الأكبر.. اعتياد الانتهاك

أخطر ما يحدث ليس الاقتحام وحده، وإنما اعتياده.
فالانتهاك الذي كان يمثل في السابق حدثاً استثنائياً أصبح يتكرر بصورة متزايدة، ومع كل تكرار تتراجع حدة ردود الفعل، بينما تتقدم محاولات فرض واقع جديد.
وما يبدأ باقتحام قد يتحول إلى طقوس، ثم إلى مطالب بتغيير قواعد المكان، ثم إلى محاولة فرض تقسيم زماني أو مكاني.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يتغير الواقع تدريجياً، بينما ينشغل العالم بإصدار بيانات عن كل خطوة جديدة.

حماية المقدسات مسؤولية تتجاوز البيانات

إن حماية الأقصى والحرم الإبراهيمي لا يمكن أن تبقى رهينة بيانات الشجب والاستنكار.
المطلوب تحرك عربي وإسلامي أكثر فاعلية في المؤسسات الدولية، وتوثيق قانوني مستمر للانتهاكات، وضغط دبلوماسي على الدول المؤثرة، ودعم المؤسسات الدولية المعنية بالتراث، والعمل على ضمان حق الفلسطينيين في الوصول إلى أماكن عبادتهم.

فالقدس والخليل ليستا مجرد قضيتين محليتين، بل هما اختبار حقيقي لجدية المجتمع الدولي في حماية حرية العبادة واحترام القانون الدولي.

عندما يصبح الصمت جزءاً من المشكلة

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمقدسات ليس أن تُقتحم مرة، وإنما أن يتحول الاقتحام إلى مشهد مألوف، لا يثير سوى بيانات الإدانة.

فالأمر الواقع لا يُفرض دائماً دفعة واحدة؛ بل قد يُفرض بالتدرج، وبالتكرار، وبجعل ما كان مرفوضاً بالأمس يبدو عادياً اليوم.

ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: من يقتحم الأقصى والحرم الإبراهيمي؟ بل أصبح: من سيمنع تحويل هذه الاقتحامات إلى حقائق دائمة؟

إن حماية المقدسات ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، ولا العرب والمسلمين وحدهم، بل هي اختبار للضمير الإنساني وللنظام الدولي الذي يرفع شعار حماية دور العبادة والتراث وحرية الأديان.

أما العرب والمسلمون، فإن التاريخ لن يقيس مواقفهم بعدد البيانات التي أصدروها، وإنما بقدرتهم على تحويل هذه البيانات إلى موقف موحد وتأثير حقيقي عندما تتعرض مقدساتهم للانتهاك.

فالأقصى لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات بقدر ما يحتاج إلى موقف، والحرم الإبراهيمي لا يحتاج إلى مزيد من الاستنكار بقدر ما يحتاج إلى حماية. وبين اقتحام يتكرر، وإدانة تتكرر، وواقع يتغير ببطء، يبقى السؤال الأكبر: هل سيتحرك العالم قبل أن يصبح الأمر الواقع حقيقة يصعب التراجع عنها؟

فالسكوت أمام انتهاك متكرر قد لا يكون حياداً، والصمت الطويل أمام تغيير الواقع قد يتحول، بمرور الوقت، إلى جزء من هذا الواقع.

المصادر

الأمم المتحدة: تقارير ومواقف الأمين العام بشأن الوضع في القدس والأماكن المقدسة.
اليونسكو: القرارات والتقارير المتعلقة بالقدس القديمة وأسوارها والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات.
أوقاف القدس: بيانات أعداد المقتحمين والتطورات المتعلقة بالمسجد الأقصى.
منظمة التعاون الإسلامي: البيانات والمواقف الرسمية المتعلقة بالانتهاكات الإسرائيلية للمقدسات.

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى