أخبار عربية ودولية

النيجر تنقل «إعادة تأسيس الجمهورية» من الشعار إلى التنفيذ: مشروع تياني لإعادة بناء الدولة بحلول 2029

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

نيامي- التواصل: تدخل النيجر مرحلة جديدة من مشروع «إعادة تأسيس الجمهورية»، الذي تتبناه السلطات منذ وصول المجلس الوطني لحماية الوطن إلى السلطة في يوليو 2023، مع انتقال برنامج إعادة التأسيس 2025-2029 من مرحلة الإعداد والاعتماد إلى مرحلة التوطين والتنفيذ على المستوى الجهوي والمحلي، في وقت أطلقت فيه الحكومة، في سبتمبر الجاري، مسار إعداد استراتيجية وطنية جديدة لإعادة التأسيس وتعزيز القيم الاجتماعية والتماسك الوطني للفترة 2026-2030.
ويشكل برنامج إعادة تأسيس الجمهورية (PRR) الإطار المرجعي الرئيسي للسياسات العامة في النيجر، بعد اعتماده في 11 أكتوبر 2025، إثر تشخيص وطني للوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي الذي أعقب أحداث 26 يوليو 2023. وتقول السلطات إن البرنامج يمثل ترجمة عملية لرؤية الرئيس عبد الرحمن تياني، ويستهدف معالجة أربع تحديات رئيسية تتعلق بالأمن، وتحسين الحوكمة، وتطوير قواعد الإنتاج والسيادة الاقتصادية، وتسريع الإصلاحات الاجتماعية.
وتقدر الكلفة الإجمالية للبرنامج بأكثر من 16 ألف مليار فرنك إفريقي، مع إعلان الحكومة أن 85 في المائة من التمويل ستتحمله موارد الدولة النيجرية. وتستحوذ قاعدة الإنتاج وتعزيز السيادة الاقتصادية على النصيب الأكبر من البرنامج، إلى جانب الأمن والتماسك الاجتماعي، والحوكمة، وإصلاح قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وتنمية رأس المال البشري.
وتكتسب المرحلة الحالية أهمية خاصة، إذ بدأت السلطات تنظيم ورشات جهوية لتعريف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والإدارات المحلية بمضامين PRR.
وشملت هذه العملية، خلال أغسطس الماضي، مناطق من بينها ديفا ومارادي وأغاديز، فيما تنص آلية التنفيذ على «توطين» البرنامج من خلال خطط التنمية الجهوية وخطط التنمية البلدية، بما يجعل إعادة التأسيس إطاراً لتحديد أولويات المشاريع على المستوى المحلي وليس مجرد وثيقة حكومية مركزية.

ويعكس توزيع الأولويات الاقتصادية والسياسية للبرنامج تصوراً جديداً للسلطات النيجرية لمفهوم السيادة، يقوم على الربط بين الاستقلال السياسي والقدرة على الإنتاج. ولذلك تركز الخطة على الزراعة والري والثروة الحيوانية والصناعة والتحويل، إلى جانب الطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية، بهدف تقليص الاعتماد على الواردات وتعزيز القيمة المضافة للموارد المحلية. وتضع السلطات هذا المسار في صلب ما تسميه بناء «تنمية داخلية» واستعادة القرار الاقتصادي الوطني.

وفي الجانب المؤسسي، تسعى السلطات إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع والإدارة، عبر التأكيد على النزاهة والشفافية والكفاءة والمساءلة.

وكان تياني قد دعا الحكومة، في مارس 2026، إلى ممارسة «واجب المساءلة» أمام الشعب، معتبراً أن ميثاق إعادة التأسيس أرسى «عقداً سياسياً جديداً» بين المواطنين ومن يتولون إدارة شؤون الدولة.
وتتزامن هذه المرحلة مع إطلاق الحكومة، في 10 سبتمبر الجاري، مسار إعداد الاستراتيجية الوطنية لإعادة التأسيس وتعزيز القيم الاجتماعية والتماسك الوطني 2026-2030. وقالت وزارة إعادة التأسيس إن المرحلة الأولى من المشاورات جمعت مساهمات 1,227 شخصاً في المناطق الثماني للبلاد، بينهم 354 من أصحاب المصلحة، و445 امرأة ضمن مجموعات نقاش، و428 شاباً ضمن مجموعات مماثلة. ويشير ذلك إلى أن السلطات تتجه إلى توسيع مفهوم إعادة التأسيس ليشمل ليس فقط الاقتصاد والأمن والحكم، وإنما أيضاً القيم الاجتماعية والتماسك الوطني.

وعلى المستوى الإقليمي، يتقاطع المشروع النيجرِي مع التحولات التي تشهدها دول تحالف دول الساحل (AES)، التي تضم النيجر ومالي وبوركينا فاسو، خصوصاً في ملفات السيادة والدفاع والتكامل الاقتصادي وتقليص الاعتماد على الشركاء التقليديين. غير أن النيجر تحاول، في الوقت نفسه، الجمع بين خطاب الاعتماد على الذات والاستفادة الانتقائية من الشراكات الخارجية، بما فيها المؤسسات المالية الدولية، طالما أن التمويل والمشاريع ينسجمان مع أولوياتها الوطنية.

وبعد ثلاث سنوات على تولي المجلس الوطني لحماية الوطن السلطة، تقدم نيامي «إعادة التأسيس» باعتبارها مشروعاً طويل المدى لإعادة بناء الدولة، لا مجرد مرحلة انتقالية مرتبطة بالانقلاب.
ويظل التحدي الأكبر أمام هذا المشروع في قدرته على تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس، خصوصاً في الأمن، والإنتاج الزراعي والصناعي، والطاقة، والخدمات الاجتماعية، في بلد يواجه تحديات أمنية ومالية وتنموية كبيرة.

وبذلك تدخل النيجر مرحلة اختبار حقيقية لمشروع تياني، فهل تستطيع «إعادة تأسيس الجمهورية» أن تنتقل من خطاب السيادة وإعادة بناء الدولة إلى نموذج اقتصادي واجتماعي قادر على تمويل نفسه وتحسين حياة المواطنين بحلول 2029؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكون المعيار الأهم للحكم على نجاح البرنامج خلال السنوات الثلاث المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى