مالي.. حرب الاستنزاف تتسع: هجمات JNIM تضغط على الجيش وFAMa ترد بضربات متعددة الجبهات
الأزمة الأمنية في مالي تؤثر على استقرار وأمن المنطقة

نواكشوط- التواصل (متابعات):
تدخل المواجهات المسلحة في مالي مرحلة أكثر تعقيداً، مع استمرار هجمات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وحلفائها على مواقع الجيش والقوافل والطرق الاستراتيجية، بالتزامن مع تكثيف القوات المسلحة المالية (FAMa) عملياتها الجوية والبرية في مناطق متباعدة من البلاد. ويشير تصاعد العمليات وتوسع نطاقها الجغرافي إلى أن الصراع يتحول بصورة متزايدة إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات، يصعب فيها على أي طرف فرض حسم عسكري سريع.
وكان أحدث التطورات هجوماً استهدف، الخميس 10 سبتمبر، موقعاً للقوات المالية في منطقة ديورا بوسط البلاد. وأعلنت هيئة الأركان المالية إطلاق عمليات جوية وبرية لتعقب المهاجمين، بينما تحدثت مصادر مالية عن سقوط خسائر كبيرة في صفوف الجماعات المسلحة خلال عمليات الرد. وقال موقع «مالي جيت»، نقلاً عن بيانات الجيش، إن القوات المالية نفذت عمليات في ديورا ومحيط سان وسيكاسو، واستهدفت قواعد وتجمعات ومركبات تابعة للجماعات المسلحة. ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من أرقام الخسائر التي أعلنتها السلطات.
وتأتي هذه العمليات بعد أيام من سلسلة ضربات أعلنت عنها FAMa في إطار عملية «دوغوكولوكو»، شملت مناطق كوتيالا وبوغوني في الجنوب، وكيدال وميناكا في الشمال الشرقي. ووفق البيانات المالية، استهدفت العمليات قواعد ومواقع وتجمعات مسلحة، في مؤشر على محاولة الجيش الحفاظ على المبادرة العملياتية وعدم تركيز قواته في جبهة واحدة. كما أعلنت السلطات أن عمليات الاستطلاع والتمشيط ما زالت مستمرة في عدد من المناطق.
وتقدم أرقام الجيش المالي لشهر أغسطس صورة عن حجم الجهد العسكري الذي تبذله FAMa. فقد قالت مديرية الإعلام والعلاقات العامة للقوات المسلحة (DIRPA) إن القوات نفذت خلال الشهر 740 طلعة جوية وأكثر من 2293 ساعة طيران و214 ضربة، وأعلنت تدمير 50 قاعدة و564 دراجة نارية و129 مركبة، فضلاً عن تحرير عشرات العسكريين الذين كانوا محتجزين. كما قالت إن نحو ألف مسلح «تم تحييدهم». وهذه الأرقام تبقى، مثل غيرها من بيانات صادرة عن أطراف الحرب، وهي بحاجة إلى تأكيدها من مصدر مستقل.
في المقابل، لا يبدو أن كثافة العمليات الجوية أوقفت قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ هجمات نوعية. فقد شهدت مالي منذ أبريل سلسلة هجمات منسقة شاركت فيها JNIM وجبهة تحرير أزواد (FLA)، استهدفت مواقع في الشمال والوسط وحتى مناطق قريبة من العاصمة باماكو. ووفق «منتدى الدفاع الإفريقي»، فإن هجمات 25 أبريل شملت كيدال وباماكو وكاتي وغاو وموبتي وسيفاري، بينما استهدفت هجمات 5 يوليو أغلهوك وأنفيف وغاو وسيفاري وسجناً قرب باماكو.
وتكمن خطورة هذا التطور في أن التعاون بين JNIM وFLA أوجد، ولو بصورة تكتيكية، جبهة أكثر اتساعاً ضد الدولة المالية. فالجماعتان تختلفان في الأهداف النهائية؛ إذ ترتبط FLA بمشروع سياسي وانفصالي في شمال البلاد، بينما تسعى JNIM إلى إضعاف الدولة وفرض مشروعها الديني. لكنهما وجدا مصلحة مشتركة في مواجهة الجيش المالي و«الفيلق الإفريقي» الروسي، وهو ما يسمح لهما بتوزيع الضغط على القوات الحكومية وفتح جبهات متزامنة.
وتشير بيانات مشروع ACLED، التي أوردها «منتدى الدفاع الإفريقي»، إلى أن عدد الوفيات الناجمة عن هجمات المسلحين ارتفع بنسبة 35 في المئة إلى 3435 حالة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026. ويعكس الرقم، بصرف النظر عن اختلاف منهجيات الرصد، اتساع مستوى العنف مقارنة بالفترة السابقة، في وقت تواجه فيه القوات المالية ومساندوها الروس خصماً قادراً على التحرك في بيئات جغرافية مختلفة.
ولا تقتصر معركة الاستنزاف على الاشتباكات المباشرة. فالطرق وقوافل الإمداد باتت جزءاً أساسياً من الصراع، إذ تسعى الجماعات المسلحة إلى إضعاف قدرة الدولة على نقل الوقود والسلع والقوات بين المناطق، بينما تحاول FAMa تأمين المحاور الرئيسية ومرافقة القوافل. وفي هذا السياق، قالت DIRPA إن القوات المالية رافقت خلال أغسطس 3681 صهريجاً ونقلت آلاف المسافرين وأطناناً من البضائع، ما يعكس الأهمية التي باتت تحظى بها حماية خطوط الإمداد في المعركة.
وتكشف هذه التطورات عن معادلة عسكرية شديدة التعقيد: فالجيش المالي يمتلك قدرة متنامية على استخدام الطيران وتنفيذ عمليات بعيدة المدى، ويعلن تحقيق مكاسب تكتيكية وتدمير قواعد ومعدات للمسلحين، لكنه يواجه في الوقت نفسه خصماً يعتمد على الحركة السريعة، والانتشار المتفرق، واستغلال التضاريس وشبكات محلية، مع إمكانية فتح جبهات متزامنة. وتشير بيانات الجيش نفسه إلى أن الجماعات المسلحة في مناطق غاو وميناكا وكيدال تعتمد بصورة متزايدة على التشتت والتمويه لتفادي الضربات.
أما التعاون بين JNIM وFLA، فيضيف بعداً استراتيجياً للصراع. فالتنسيق العسكري بينهما لا يعني بالضرورة اندماجهما في تنظيم واحد؛ إذ تبقى أجندة الانفصاليين الطوارق مختلفة جذرياً عن أجندة الجماعة الجهادية. لكن استمرار التعاون قد يسمح لكل طرف باستخدام قدرات الآخر لإرباك القوات الحكومية. وتحذر تحليلات أمنية من أن هذا التعاون قد يكون عملياً طالما بقي «العدو المشترك» ــ الدولة المالية والقوات الروسية الداعمة لها ــ هو الأولوية.
وبذلك، فإن السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بقدرة FAMa على تنفيذ ضربات أكثر دقة، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الضربات إلى سيطرة ميدانية مستدامة، وتأمين المدن والطرق، ومنع الجماعات المسلحة من إعادة بناء قدراتها في المناطق التي تتعرض للعمليات. وفي المقابل، ستسعى JNIM وحلفاؤها إلى تجنب المواجهة المفتوحة مع القوات المتفوقة جوياً، والتركيز على الكمائن والهجمات على المواقع المعزولة وخطوط الإمداد وخلق ضغط متزامن على عدة جبهات.
ومن ثم، لا تشير المعطيات الحالية إلى حسم قريب للحرب، بل إلى مرحلة استنزاف متبادل: الجيش يراهن على التفوق الجوي والعمليات المتحركة والدعم الروسي، فيما تراهن الجماعات المسلحة على المرونة والانتشار والقدرة على استنزاف الدولة وضرب خطوطها اللوجستية. وبينما تحقق FAMa نجاحات تكتيكية تعلن عنها دورياً، فإن استمرار الهجمات في مناطق متباعدة، وصولاً إلى ديورا ومناطق الجنوب والشمال الشرقي، يوضح أن التحدي الأكبر أمام باماكو لم يعد مجرد استعادة مواقع محددة، وإنما الحفاظ على الأمن في مساحة شاسعة ومنع الخصوم من إعادة إنتاج الصراع بعد كل عملية عسكرية.







