أخبار وطنيةالاقتصاد

موريتانيا.. ثروات هائلة ومواطن ينتظر نصيبه من الرفاه ؟!

هل كتب على المواطن الموريتاني أن يعيش فقيرا رغم كل ثرواته؟

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

نواكشوط – التواصل:

تمتلك موريتانيا مزيجاً استثنائياً من الموارد الطبيعية مقارنة بعدد سكانها، ابرزها الحديد والذهب والنحاس، وثروة سمكية كبيرة، وغاز طبيعي، إلى جانب إمكانات واسعة في الزراعة والثروة الحيوانية، دون احتساب معادن أخرى.

ويبلغ عدد سكان البلاد، وفق أحدث تعداد رسمي، نحو 4.93 مليون نسمة. لكن المفارقة التي تطرح نفسها بقوة هي، هل يفترض أن ينعكس هذا الحجم من الثروات على مستوى معيشة المواطن الموريتاني بصورة أكبر مما هو حاصل اليوم؟

و لا يتعلق السؤال هنا فقط بما تنتجه المناجم والمصانع والمياه الإقليمية والحقول الغازية، وإنما بما يتحول من هذه الثروة إلى إيرادات للدولة، واستثمارات، ووظائف، وخدمات عامة، ودخل للأسر.

ثروة أكبر من عدد السكان

تنتج موريتانيا ملايين الأطنان من الحديد سنوياً، وتستخرج الذهب والنحاس، فيما يمثل قطاع الصيد أحد أهم مصادر العملة الصعبة، وبدأ الغاز الطبيعي يضيف مورداً جديداً للاقتصاد الوطني.

وفي 2024، أنتج قطاع التعدين كميات كبيرة من الحديد والذهب والنحاس، بينما سجلت صادرات المنتجات السمكية عشرات المليارات من الأوقية الجديدة.

وتكشف هذه الأرقام عن اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد الطبيعية. وتقدر مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية مساهمة الصناعات الاستخراجية بنحو 76% من صادرات البلاد، مقابل مساهمة محدودة نسبياً في التشغيل، وهو ما يعكس طبيعة هذه القطاعات كثيفة رأس المال.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية، حيث قد تكون الدولة غنية بالموارد، من دون أن تكون غالبية السكان أغنياء بالضرورة.

ما يصل إلى الخزينة أهم من حجم الصادرات

قد تبدو أرقام صادرات الحديد والذهب والأسماك والغاز ضخمة، لكن من الخطأ اعتبارها أموالاً متاحة للدولة.

فالإيرادات تتوزع بين تكاليف الإنتاج والاستثمار، وأرباح الشركات، والضرائب والرسوم والإتاوات، وحصص الدولة، والالتزامات التعاقدية المختلفة.

وبحسب بيانات 2024، بلغت الإيرادات التي حصلت عليها الدولة من قطاعي التعدين والمحروقات نحو 23.85 مليار أوقية جديدة.

وبإضافة المدفوعات المرتبطة بقطاع الصيد الصناعي الكبير، والتي قاربت 4.95 مليارات أوقية جديدة، يصبح مجموع هذه الإيرادات في حدود 28.8 مليار أوقية جديدة، أي نحو 288 مليار أوقية قديمة.

وبقسمة هذا المبلغ حسابياً على نحو 4.93 مليون نسمة، يكون نصيب الفرد من هذه الإيرادات الحكومية المباشرة قرابة 58.5 ألف أوقية قديمة سنوياً، أي ما يقارب 4,870 أوقية قديمة شهرياً.

ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن هذا المبلغ كان ينبغي أن يوزع نقداً على المواطنين؛ فالخزينة تمول منه قطاعات الدولة والاستثمار والبنية التحتية والخدمات وخدمة الدين وغيرها.

لكن الرقم يقدم مؤشراً بسيطاً على حجم الإيرادات المباشرة من بعض الموارد مقارنة بعدد السكان.

هل كان يمكن لهذه الأموال أن تصنع رفاهية أكبر؟ والجواب هو انه نظرياً، نعم. لكن الطريق إلى الرفاه لا يمر عبر توزيع عائدات الموارد بصورة مباشرة، وإنما عبر تحويلها إلى رأس مال اقتصادي واجتماعي.
فبدلاً من إنفاق العائدات كلها على النفقات الجارية، يمكن توجيه جزء أكبر منها إلى قطاعات قادرة على خلق الثروة والوظائف مثل الصناعات التحويلية، وتعليب الأسماك، والزراعة الحديثة، وتصنيع المنتجات الحيوانية، والطاقة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وهذا الفارق جوهري  فالمنجم يستطيع إنتاج مليارات الدولارات، لكنه لا يستطيع بمفرده تشغيل مئات الآلاف من المواطنين. أما مصنع الأسماك، ومزرعة حديثة، ومصنع للألبان واللحوم والجلود، وشركات النقل والخدمات المرتبطة بها، فيمكنها خلق عدد أكبر بكثير من الوظائف.

ماذا عن حملة الشهادات والعاطلين؟

هنا يمكن استخدام الإيرادات الطبيعية باعتبارها رافعة للتشغيل.
ولنفترض، على سبيل المثال، أن الدولة قررت تخصيص 30% من مبلغ 288 مليار أوقية قديمة ــ أي نحو 86.4 مليار أوقية قديمة سنوياً ــ لبرنامج وطني للاستثمار المنتج وتشغيل الشباب.

إذا افترضنا تكلفة سنوية قدرها 1.2 مليون أوقية قديمة لكل وظيفة أو فرصة تشغيل ممولة، فإن هذا المبلغ يمكن أن يعادل حسابياً نحو 72 ألف فرصة سنوياً.

لكن هذه ليست دعوة إلى توظيف 72 ألف شخص في القطاع العام، ولا تقديراً لعدد الوظائف الممكن تحقيقها فعلياً. لأن المقصود هو إظهار حجم الإمكانات التي يمكن أن يوفرها توجيه جزء من عائدات الموارد إلى الاقتصاد المنتج.

وقد تكون هذه الأموال أكثر فاعلية إذا استخدمت لدعم أجور الخريجين الجدد لفترة محددة، وتمويل المؤسسات الناشئة، وضمان قروض الشباب، وتطوير الصناعات الزراعية والسمكية، وتمويل التدريب المهني المرتبط بحاجات السوق، بل ورصد مبالغ محددة للتعويض عن البطالة.

الثروة السمكية.. من تصدير الخام إلى خلق الوظائف

يقدم قطاع الصيد مثالاً واضحاً على هذه المعضلة.
فموريتانيا تملك واحداً من أغنى المصائد في المنطقة، وتصدر مئات آلاف الأطنان من المنتجات البحرية.
لكن السؤال الاقتصادي لا ينبغي أن يتوقف عند قيمة السمك الذي يغادر الموانئ.
لذلك فإن السؤال الأهم هو: كم كان يمكن أن تكون قيمة هذا السمك لو جرى جزء أكبر من تصنيعه داخل بلادنا؟
فالفارق بين تصدير الأسماك الخام وتصدير المنتجات المعلبة والمجمدة والمصنعة هو فارق في القيمة المضافة والوظائف والإيرادات الضريبية والخبرة الصناعية.
والمنطق نفسه ينطبق على الحديد والذهب والنحاس.

الحديد ليس مجرد خام

كما تملك موريتانيا قاعدة صناعية مرتبطة بالحديد، لكن القيمة الاقتصادية الأكبر يمكن أن تتحقق عندما تنتقل البلاد تدريجياً من تصدير المواد الأولية إلى مراحل أعلى من سلسلة القيمة.

كل خطوة إضافية، من المعالجة إلى التصنيع، تعني فرصاً جديدة للمهندسين والفنيين والعمال وشركات النقل والصيانة والخدمات.
وهنا تصبح الثروة المعدنية وسيلة لبناء اقتصاد متنوع، لا مجرد مصدر للعملة الصعبة.

الغاز … فرصة جديدة واختبار أكبر

يضيف الغاز الطبيعي بُعداً جديداً إلى هذه المعادلة.
فإيرادات الغاز يمكن أن توفر مورداً إضافياً للخزينة، لكن أهميتها الحقيقية ستكون في كيفية استخدامها. فإذا تحولت إلى إنفاق جارٍ متزايد، فقد توفر دفعة مؤقتة للاقتصاد، أما إذا استُخدمت في تمويل الكهرباء والبنية التحتية والتعليم والصحة والاستثمار والصناعات الجديدة، فإنها يمكن أن تخلق أثراً يتجاوز عمر الحقل نفسه.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للثروة الغازية، فهل ستستهلك موريتانيا عائدات الغاز، أم ستستثمرها؟

الثروة الحيوانية والزراعة.. الثروة الأقل استغلالاً

لا تختصر الثروة الموريتانية في المناجم والمحيط فقط، فالبلاد تملك ملايين رؤوس الماشية ومساحات شاسعة قابلة للاستغلال الزراعي، خصوصاً في الجنوب ووادي نهر السنغال.
لكن القيمة الاقتصادية الأكبر لا تتحقق بمجرد امتلاك المواشي أو إنتاج المحاصيل.
إنها تبدأ عندما تتحول المواشي إلى لحوم في المتناول وألبان وجلود مصنعة، والمحاصيل إلى منتجات غذائية وصناعات تحويلية.
وهذه القطاعات تحديداً يمكن أن تكون أكثر قدرة على تشغيل الشباب من التعدين.

هل المواطن فقير لأن موريتانيا فقيرة؟

إن الأرقام لا تسمح بهذه الإجابة البسيطة. فموريتانيا ليست دولة بلا موارد، بل هي دولة ذات موارد طبيعية كبيرة، لكنها تواجه تحدي تحويل الموارد إلى اقتصاد متنوع وإنتاجية أعلى ودخل أكبر للأسر.

وهنا تتغير صيغة السؤال من «كم تملك موريتانيا من الثروة؟» إلى: «كم من هذه الثروة يتحول فعلاً إلى رفاه للمواطن؟»

فالرفاه لا يقاس فقط بحجم صادرات الذهب أو الحديد او الغاز، وإنما بما يستطيع المواطن أن يحصل عليه مقابل دخله من تعليم جيد، زعلاج متاح، وكهرباء ومياه، وسكن لائق، ونقل، وغذاء بأسعار معقولة، وفرص عمل مستقرة.

الثروة موجودة.. لكن أين القيمة المضافة؟

المفارقة الأساسية في الاقتصاد الموريتاني أن القطاعات الاستخراجية تمثل حصة ضخمة من الصادرات والإيرادات، لكنها لا توفر العدد نفسه من الوظائف.

وهذا يعني أن معالجة البطالة لا يمكن أن تقوم على المناجم وحدها.

إن الحل الأكثر استدامة هو استخدام عائدات الموارد لخلق اقتصاد ثانٍ إلى جانب اقتصاد التعدين مثل اقتصاد تصنيعي وزراعي وسمكي وحيواني وخدمي، قادر على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب، عندها فقط يمكن أن تتحول الثروة الطبيعية إلى رفاه اجتماعي واسع.

المواطن هو الاختبار النهائي

تملك موريتانيا اليوم فرصة تاريخية تتمثل في موارد معدنية كبيرة، وقطاع سمكي مهم، وثروة حيوانية واسعة، وإمكانات زراعية، ومورد غازي جديد، لكن امتلاك الموارد لا يكفي.

إن المقياس الحقيقي لنجاح إدارة هذه الثروات هو ما إذا كان المواطن الموريتاني سيشعر بها في راتبه، وفي فرص عمل أبنائه، وفي أسعار السلع والخدمات، وفي مستشفى ومدرسة وطريق وكهرباء وماء أفضل، وفي قدرة أكبر على بناء مستقبل مستقر.

فإذا ظلت الثروة تُقاس بملايين أطنان الحديد، وأطنان الذهب، ومئات آلاف الأطنان من الأسماك، ومليارات الدولارات من الصادرات، بينما يظل أثرها محدوداً على حياة غالبية السكان، فإن السؤال سيبقى قائماً، وهو موريتانيا بلد غني بالموارد.. فمتى يصبح مواطنها غنياً بما يكفي ليشعر بهذه الثروة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى