موريتانيا.. بلد الثروات التي لا تنعكس على حياة المواطن
من الحديد والذهب والنحاس إلى الأسماك والماشية والغاز.. ثروة هائلة، وفقر واسع، واقتصاد لا يزال يعتمد بقوة على تصدير موارده الخام

نواكشوط- التواصل: كيف يمكن لبلد يمتلك الحديد والذهب والنحاس، وثروة سمكية من الأغنى في المنطقة، وثروة حيوانية واسعة، ثم يدخل مرحلة إنتاج الغاز، أن يظل فيه نحو ربع السكان تحت خط الفقر؟
هذا السؤال ليس افتراضياً. لأن الأرقام تكشف مفارقة موريتانية واضحة، إذ الثروة موجودة، لكن أثرها الاجتماعي والاقتصادي لا يتناسب مع حجمها.
وبحسب أحدث تقديرات البنك الدولي، تراجعت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر البالغ 3.65 دولار يومياً من نحو 27% في سنة 2024 إلى 25.2% في 2025. وهو تحسن مهم، لكنه يعني في الوقت نفسه أن نحو شخص من كل أربعة لا يزال يعيش تحت خط الفقر !!.
ثروة موريتانيا بالأرقام
تمتلك بلادنا قاعدة واسعة من الموارد الطبيعية تجعلها من أكثر بلدان المنطقة تنوعاً في الثروات الاستخراجية والبحرية.
ففي مجال الحديد، تجاوزت مبيعات الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم» 14.2 مليون طن في 2024، وبلغت مبيعاتها المعدنية نحو 45.7 مليار أوقية جديدة، أي قرابة 1.2 مليار دولار.
وفي الذهب، يشكل التعدين الصناعي، إلى جانب التعدين الأهلي، أحد أهم مصادر الصادرات والعملات الصعبة، فيما يمثل النحاس مورداً معدنياً آخر، خصوصاً في منطقة أكجوجت.
أما الثروة السمكية، فتستفيد من شريط ساحلي يعد من أغنى مناطق الصيد في المنطقة، فيما يمثل القطاع مصدراً رئيسياً للصادرات والعملات الأجنبية.
وتملك البلاد كذلك ثروة حيوانية كبيرة من الإبل والأبقار والأغنام والماعز، تمثل مورداً أساسياً لملايين السكان في المناطق الريفية والبدوية، لكنها لا تزال تفتقر إلى منظومة صناعية وغذائية تستثمر كامل سلسلة القيمة.
ويضيف الغاز الطبيعي مورداً استراتيجياً جديداً مع بدء الإنتاج من حقل «السلحفاة آحميم الكبير» المشترك مع السنغال.
وتكشف أهمية هذه الموارد مجتمعة حقيقة اقتصادية لافتة، فالصناعات الاستخراجية مثلت في 2023 نحو 76.28% من صادرات موريتانيا، و18.91% من الناتج المحلي الإجمالي، و22.73% من الإيرادات الحكومية، لكنها لم توفر سوى 5.83% من فرص العمل.
وهنا تبدأ المفارقة: قطاع ينتج الجزء الأكبر من الصادرات لا يستوعب إلا نسبة محدودة من قوة العمل.
76% من الصادرات.. و5.8% فقط من التشغيل
تكشف بيانات مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية أن الاقتصاد الموريتاني شديد الاعتماد على الموارد الطبيعية.
فالقطاع الاستخراجي لا يهيمن فقط على الصادرات، بل يمثل قرابة خمس الناتج المحلي وأكثر من خمس الإيرادات الحكومية، بينما لا يوفر سوى نحو 5.8% من فرص العمل.
وهذا يفسر جانباً مهماً من المفارقة.
فالمناجم ومشاريع الغاز قادرة على إنتاج عائدات كبيرة دون أن تحتاج إلى تشغيل أعداد كبيرة من السكان، ولذلك لا يكفي ارتفاع صادرات المعادن والطاقة لخفض البطالة أو رفع دخول الأسر بصورة تلقائية.
وهكذا فالمشكلة تبدأ عندما لا تتحول عائدات الموارد إلى صناعة وخدمات ومؤسسات وشركات صغيرة ومتوسطة قادرة على خلق فرص العمل خارج القطاع الاستخراجي.
الحديد.. أكثر من نصف قرن من استخراج الثروة
يشكل الحديد العمود الفقري التقليدي للاقتصاد الموريتاني، وتتولى «سنيم» استخراج وتسويق الجزء الأكبر منه.
وفي سنة 2024 سجلت الشركة مبيعات بلغت 14.226 مليون طن، بإيرادات معدنية وصلت إلى 45.673 مليار أوقية جديدة، رغم تراجع أسعار خام الحديد وانخفاض رقم الأعمال بنحو 9% مقارنة بالعام السابق.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أكثر من نصف قرن من استخراج الحديد هو: لماذا لم تتحول هذه الصناعة إلى قاعدة لصناعة معدنية واسعة داخل البلاد؟
فالفرق كبير بين بلد يستخرج خام الحديد ويصدره، وبلد يستخدم هذا المورد لبناء صناعة للصلب والآلات ومواد البناء وسلاسل توريد توفر آلاف الوظائف.
إن القيمة الحقيقية للثروة لا تقاس فقط بما يغادر الميناء، وإنما بما يبقى داخل الاقتصاد من تصنيع وأجور واستثمارات ومهارات وفرص عمل.
البحر الغني.. والسمك الغالي
إن المفارقة نفسها تظهر في قطاع الصيد، حيث تمتلك موريتانيا شريطاً ساحلياً غنياً بالموارد السمكية، ويعد الصيد البحري من أهم الأنشطة التصديرية في البلاد.
لكن وفرة الأسماك لا تعني بالضرورة أن المستهلك الموريتاني يحصل عليها بسعر منخفض.
فالطلب الخارجي، وتكاليف الصيد والنقل والتبريد، وسلاسل التسويق، وحجم التصنيع المحلي، كلها عوامل تؤثر في السعر الذي يصل إلى المستهلك.
وهكذا يصبح السؤال مشروعاً:
كيف يمكن لمواطن يعيش على شاطئ من أغنى الشواطئ السمكية في المنطقة وفي العالم أن يجد السمك بسعر يفوق قدرته الشرائية؟
إن المشكلة هنا ليست في نقص المورد، وإنما في كيفية تنظيمه وتوزيع القيمة التي ينتجها، ومدى توجيه جزء كاف من الإنتاج إلى السوق الوطنية، وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة به.
والماشية الكثيرة لا تعني لحماً رخيصاً
إن الحالة نفسها تنطبق على الثروة الحيوانية. فموريتانيا بلد رعوي يمتلك قاعدة حيوانية واسعة، ومع ذلك أصبحت أسعار اللحوم واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بغلاء المعيشة.
وهنا لا يكفي القول إن البلاد «تملك ملايين رؤوس الماشية».
السؤال هو: ماذا يحدث بين المرعى والمسلخ والسوق؟
تكاليف النقل والأعلاف والمياه، والوسطاء، وضعف المسالخ الحديثة، ومحدودية التخزين والتبريد، كلها تدخل في تحديد السعر النهائي. أي أن امتلاك الثروة الحيوانية لا يعني امتلاك سلسلة غذائية حديثة قادرة على تحويلها إلى غذاء متاح للمواطن بأسعار مناسبة.
الذهب.. أين تذهب القيمة المضافة؟
دخل الذهب بقوة إلى الاقتصاد الوطني خلال العقدين الأخيرين، سواء عبر التعدين الصناعي أو الأهلي.
لكن الذهب، مثل الحديد، يطرح سؤال القيمة المضافة:
كم يبقى من قيمة الذهب داخل الاقتصاد الموريتاني؟
وكم يدخل إلى الخزينة في شكل ضرائب وإتاوات؟
وكم يخلق من وظائف مستقرة؟
وما حجم النشاط الصناعي والخدمي الذي ينشأ حوله؟
فالذهب المستخرج والمصدر يضيف إلى أرقام الصادرات، لكن التنمية تحتاج إلى أن يتحول المورد إلى استثمار ووظائف ومؤسسات وخدمات وصناعة.
ثم جاء الغاز.. والاختبار الأكبر
دخلت موريتانيا مرحلة اقتصادية جديدة مع بدء إنتاج حقل «السلحفاة آحميم الكبير» المشترك مع السنغال، الذي بدأ في 2025.
وقد ساهم بدء صادرات الغاز في تعزيز عائدات التصدير والإيرادات الحكومية والاحتياطيات من النقد الأجنبي، وفق البنك الدولي. لكن أثر الغاز على النمو لا يلغي الحاجة إلى تطوير الاقتصاد غير الاستخراجي.
وهنا تطرح الثروة الجديدة سؤالاً قديماً: هل سيكون الغاز بداية لتحويل الاقتصاد، أم مجرد مورد تصديري جديد ينضم إلى الحديد والذهب والأسماك والثروة الحيوانية ؟
فإذا دخلت عائدات الغاز إلى الخزينة ثم استُهلكت دون بناء صناعة وتعليم وتكوين مهني وبنية تحتية واقتصاد منتج، فإن موريتانيا ستصبح أغنى بالموارد، من دون أن تصبح بالضرورة أغنى بالوظائف.
ولهذا يمثل الغاز اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على إدارة الثروة، وليس مجرد فرصة لزيادة الإيرادات.
المشكلة ليست الفساد وحده.. لكنها ليست بعيدة عنه
من الخطأ اختزال انتشار الفقر في بلدنا في الفساد وحده. فهناك عوامل موضوعية عميقة، بينها الطبيعة الصحراوية للبلاد، وندرة المياه والأراضي الزراعية، وضعف التصنيع، وارتفاع تكاليف النقل، ومحدودية السوق، والاعتماد الكبير على الاستيراد، وتقلب أسعار المعادن. ولكن من الصعب أيضاً تجاهل الحكامة.
ففي مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 حصلت موريتانيا على 30 نقطة من 100 واحتلت المرتبة 130 من أصل 180 دولة وفق منظمة الشفافية الدولية.
وهذا المؤشر يقيس مدركات الفساد في القطاع العام، ولا يعني بالضرورة أن نسبة محددة من المال العام قد تم اختلاسها، رغم التقارير الرسمية ذات الصلة.
لكن دلالته تظل مهمة، لأن إدارة الثروات الطبيعية تحتاج إلى مستويات مرتفعة من الشفافية والرقابة وحسن الحكامة حتى تتحول عائداتها إلى منفعة عامة.
ولا يتعلق الأمر بالفساد وحده، وإنما أيضاً بجودة إدارة العقود، ووضوح الإيرادات، والرقابة على الإنفاق، وكفاءة المؤسسات، وقدرتها على توجيه الموارد نحو الاستثمارات التي ترفع إنتاجية الاقتصاد وتخلق فرص العمل.
من 1978.. لماذا لم تتغير المعادلة؟
منذ انقلاب يوليو 1978 تعاقبت على موريتانيا أنظمة عسكرية ومدنية وحكومات عديدة، وتغيرت السياسات والقوانين والمؤسسات، كما تضاعفت موارد البلاد وتنوعت مصادرها.
لكن السؤال الذي يستحق الوقوف عنده ليس تحميل نظام واحد مسؤولية كل ما حدث، وإنما، لماذا لم تنجح الدولة، عبر هذه العقود، في بناء منظومة مستقرة تجعل الموارد الطبيعية محركاً لتنمية شاملة؟ فالثروة لا تكفي وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات قوية، ورقابة فعالة، وقضاء مستقل، وشفافية في العقود والإيرادات، ومنافسة اقتصادية، وتصنيع محلي، واستثمار طويل الأجل في التعليم والصحة والبنية التحتية.
وبذلك يصبح تاريخ الحكامة منذ 1978 جزءاً من تفسير المشكلة، لا حكماً مسبقاً على مرحلة سياسية بعينها.
أين تتعثر الثروة؟
عند جمع هذه المعطيات تظهر صورة أكثر وضوحاً.
فالثروة الوطنية لا تختفي في مكان واحد، لأن جزء منها يتحول إلى عائدات للدولة، وجزء إلى أرباح للشركات، وجزء إلى أجور ونشاط اقتصادي، فيما يغادر جزء كبير من الموارد في صورة مواد خام أو منتجات أولية، بينما يختفي الآخر في ظروف مثيرة.
لكن الحلقة الأضعف هي تحويل الثروة إلى اقتصاد واسع الإنتاج والتشغيل والقيمة المضافة.
فالقطاع الاستخراجي يهيمن على الصادرات، لكنه لا يستوعب سوى نسبة محدودة من قوة العمل.
والفقر، رغم تراجعه، لا يزال يطال ربع السكان تقريباً وفق أحدث تقديرات البنك الدولي.
أما الشفافية والرقابة وحسن الحكامة، فتظل عناصر حاسمة لضمان أن تتحول عائدات الموارد إلى استثمارات وخدمات وفرص يستفيد منها المجتمع.
وخلاصة القول أن موريتانيا غنية بالموارد.. لكن اقتصادها لم يستثمر ثروتها بما يكفي
لأن مفارقة البلاد لا تكمن في أنها تمتلك الثروة ولا يستفيد منها أحد؛ فهذا تبسيط غير دقيق.
بل إن المفارقة الحقيقية هي أن حجم الموارد الطبيعية أكبر بكثير من قدرة الاقتصاد المحلي على تحويلها إلى قيمة مضافة وفرص عمل ودخل وخدمات عامة.
فموريتانيا تصدر الحديد، لكنها لا تزال بحاجة إلى صناعة معدنية واسعة.
وتصدر الذهب، لكن التعدين لم يتحول إلى منظومة صناعية كبيرة.
وتصدر السمك، لكن المواطن لا يحصل دائماً على غذاء بحري رخيص.
وتملك ثروة حيوانية كبيرة، لكن اللحوم تزداد كلفة.
وتنتج الغاز، فيما يبقى الاختبار الحقيقي هو: ماذا ستفعل الدولة بعائداته؟
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يلاحق الحكومات الموريتانية لم يعد: “كم تملك موريتانيا من الذهب والحديد والسمك والغاز”؟ بل: “كم من هذه الثروة يتحول إلى مدرسة ومستشفى ومصنع ووظيفة وكهرباء وماء ومشروع يستقطب الشباب وغذاء بسعر معقول ودخل أفضل للمواطن”؟
وهنا تكمن الإجابة، فموريتانيا ليست فقيرة بالموارد؛ إنها تعاني فجوة بين استخراج الثروة وتحويلها إلى ثروة اجتماعية. وكلما طال بقاء هذه الفجوة، ازدادت أهمية الشفافية والرقابة وحسن الحكامة، وأصبح اكتشاف مورد جديد ــ مهما كان ضخماً ــ غير كاف وحده لتغيير حياة المواطنين.
والغاز هو الآن الاختبار الأكبر، فإما أن تستخدم البلاد ثروتها الجديدة لبناء اقتصاد يستطيع أن يعيش بعد الموارد، وإما أن تضيف إلى قائمة ثرواتها مصدراً جديداً للصادرات، من دون أن تضيف بالقدر نفسه مصدراً جديداً للرفاه.







