الاقتصادأخبار وطنية

موريتانيا.. البوابة البحرية والبرية للجزائر نحو أسواق غرب إفريقيا

طريق تجاري بحري بين الجزائر وإفريقيا مرورا بموريتانيا

🔊استمع إلى الموضوعجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة الموضوع
استمع إلى الموضوع

نواكشوط – التواصل : تتجه الجزائر إلى ترسيخ حضورها الاقتصادي في غرب إفريقيا عبر شبكة متنامية من الممرات البحرية والبرية التي تجعل من موريتانيا حلقة محورية في استراتيجيتها للانفتاح على الأسواق الإفريقية.

ويأتي إطلاق شركة «كنان الجزائر» خطاً بحرياً منتظماً يربط الموانئ الجزائرية بنواكشوط ونواذيبو في موريتانيا وداكار في السنغال، في 18 أغسطس 2026، ليعيد تسليط الضوء على الدور الذي يمكن أن تؤديه موريتانيا بوصفها بوابة طبيعية للمنتجات الجزائرية نحو غرب القارة.

وتؤكد الشركة الجزائرية على موقعها الرسمي أن أسطولها المؤلف من تسع سفن، بينها سفينتان للحاويات وسبع سفن للبضائع العامة، يسيّر رحلات منتظمة إلى موريتانيا، عبر نواكشوط ونواذيبو، وإلى السنغال عبر داكار. كما تعتزم الشركة تعزيز قدراتها باقتناء سفن وحاويات جديدة، بينها حاويات مبردة لنقل المنتجات الطازجة والأدوية.

ولا يبدو هذا التحرك منفصلاً عن مسار بدأ قبل سنوات، عندما أطلقت الجزائر خطاً بحرياً تجارياً إلى نواكشوط في فبراير 2022، قبل أن تمدده في يوليو من العام نفسه إلى داكار، في خطوة قالت السلطات الجزائرية إنها تستهدف تعزيز الصادرات خارج المحروقات وفتح الأسواق الإفريقية أمام المنتجات الجزائرية.

من نواكشوط إلى غرب إفريقيا

تكتسب نواكشوط أهمية خاصة في هذه الاستراتيجية بسبب موقع موريتانيا الجغرافي، الذي يجعلها نقطة وصل بين المغرب العربي وغرب إفريقيا ومنطقة الساحل.

فالجزائر، التي تمتلك واجهة واسعة على البحر المتوسط، لا تملك منفذاً مباشراً على المحيط الأطلسي. ومن ثم فإن الوصول إلى الموانئ الموريتانية يتيح لها فتح مسار بحري مباشر باتجاه غرب إفريقيا، بدلاً من الاعتماد حصراً على مسارات برية طويلة ومعقدة.

وكان المدير العام للشركة الجزائرية المشرفة على الخط البحري إلى موريتانيا قد أوضح سابقاً أن وصول المنتجات الجزائرية إلى نواكشوط بحراً يمكن أن يتيح نقلها براً إلى دول إفريقية أخرى، خصوصاً مالي والسنغال، وهو ما يعكس بوضوح فكرة استخدام موريتانيا كبوابة وليس فقط كسوق نهائية.

وتزداد أهمية هذا الخيار بالنسبة للسلع التي يمكن نقلها بكميات كبيرة، مثل مواد البناء والإسمنت والمنتجات الغذائية والسلع الصناعية، وهي قطاعات تحاول الجزائر زيادة صادراتها منها خارج قطاع المحروقات.

الخط البحري ليس مشروعاً منفرداً

الأهم في التحرك الجزائري هو أنه لا يقوم على خط بحري معزول، وإنما يتزامن مع إنشاء منظومة أوسع من الممرات التجارية.

وفي مقدمة هذه المشاريع يأتي طريق تيندوف ـ الزويرات البالغ طوله 840 كيلومتراً، والذي أطلق الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أشغاله في فبراير 2024.

وتصف السلطات الجزائرية الطريق بأنه مشروع استراتيجي سيفتح محاور دولية تسمح للمتعاملين الجزائريين بالوصول إلى الأسواق الإفريقية عبر موريتانيا، كما يمثل أول مشروع بنية تحتية بهذا الحجم تنفذه الجزائر خارج حدودها منذ الاستقلال.

أما الجانب الموريتاني فيعتبر الطريق من المشاريع الحيوية التي يمكن أن تعزز البنية التحتية والتبادل التجاري بين البلدين، في وقت تعمل فيه اللجنة الموريتانية ـ الجزائرية المشتركة على متابعة تنفيذ المشروع وإزالة العقبات الإدارية والفنية المرتبطة به.

وبذلك، يمكن أن يتكامل المساران البحري والبري على النحو التالي:

الموانئ الجزائرية إلى نواكشوط/نواذيبو إلى الأسواق الموريتانية والساحلية

وفي الاتجاه البري:

تندوف إلى الزويرات وموريتانيا إلى دول غرب إفريقيا والساحل.

وهذا التكامل هو الذي يمنح المشاريع أهميتها الاستراتيجية، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد تحسين النقل بين بلدين متجاورين، وإنما بإنشاء ممر تجاري متعدد الوسائط يمكن أن يخدم تجارة الجزائر مع فضاء إفريقي أوسع.

طريق تيندوف ـ الزويرات.. الحلقة البرية

يمتد الطريق الاستراتيجي على نحو 840 كيلومتراً، ويصل مدينة تيندوف الجزائرية بالزويرات شمالي موريتانيا، مروراً بمنطقة بير أم أكرين وافديرك.

وتشير وثائق رسمية جزائرية إلى أن الطريق صُمم بعرض سبعة أمتار، مع منشآت لتصريف المياه ومحطات خدمية، فيما تشارك شركات جزائرية في إنجازه. كما أعلنت الجزائر أن شركة «نفطال» ستتولى إنشاء وتشغيل محطات للوقود على امتداده، مع استغلال الطريق في إطار امتياز لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد.

وتكمن أهمية الطريق في أنه يختصر المسافة أمام السلع الجزائرية المتجهة جنوباً، ويمنح التجار الجزائريين منفذاً برياً منظماً نحو موريتانيا، يمكن أن يتصل لاحقاً بشبكات النقل المتجهة إلى مالي والسنغال ودول الساحل.

كما أن الطريق لا يعمل بمعزل عن المعبر الحدودي والمنطقة الحرة التي شرعت الجزائر وموريتانيا في تطويرها ضمن حزمة مشاريع مشتركة، بما يرفع احتمال تحول المنطقة الحدودية إلى مركز للتبادل التجاري والخدمات اللوجستية.

لماذا تريد الجزائر إفريقيا؟

تتحرك الجزائر منذ سنوات باتجاه زيادة صادراتها غير النفطية وتعزيز حضورها الاقتصادي في القارة الإفريقية.

ويظهر ذلك في تنظيم معارض للمنتجات الجزائرية في دول إفريقية، وتوقيع اتفاقيات بين الشركات الجزائرية ونظيراتها في موريتانيا، إلى جانب تطوير وسائل النقل والطرق التي تسمح للمنتج الجزائري بالوصول إلى الأسواق الخارجية.

وخلال المنتدى الاقتصادي الجزائري ـ الموريتاني، أُعلن عن اتفاقيات بين شركات من البلدين في قطاعات الإسمنت والبطاريات والنوافذ والأبواب والمواد الغذائية، فيما أكد وزير التجارة الجزائري آنذاك أن الهدف يتجاوز المواد الغذائية إلى قطاعات صناعية متعددة.

كما شاركت عشرات المؤسسات الجزائرية في معارض بنواكشوط لعرض منتجات في قطاعات الصناعات الغذائية والفلاحة والأشغال العمومية والميكانيكا والنسيج والجلود والصناعات الكيميائية ومواد البناء وغيرها، في مؤشر على أن السوق الموريتانية ينظر إليها في الجزائر باعتبارها جزءاً من استراتيجية اقتصادية إفريقية أوسع.

وتعطي الوثائق الجزائرية الرسمية للمشاريع العابرة للحدود بعداً قارياً صريحاً؛ إذ تصف طريق تيندوف ـ الزويرات بأنه وسيلة لتمكين المتعاملين الجزائريين من الوصول إلى الأسواق الإفريقية عبر موريتانيا.

موريتانيا.. أكثر من سوق

من منظور اقتصادي، لا تكمن جاذبية موريتانيا بالنسبة للجزائر في حجم سوقها المحلية فقط، وإنما في موقعها كمنصة لوجستية.

فالسوق الموريتانية محدودة نسبياً من حيث عدد السكان، لكن البلاد تمتلك موقعاً استثنائياً على الأطلسي، وحدوداً مع السنغال ومالي والجزائر، وتتمتع بإمكانية ربط الموانئ بالشبكات البرية المتجهة جنوباً.

وهذا يجعل من نواكشوط ونواذيبو نقطتي عبور محتملتين للسلع القادمة من شمال إفريقيا والمتجهة إلى أسواق الساحل وغرب إفريقيا.

وتؤكد بيانات شركة «كنان الجزائر» الحالية أن موريتانيا أصبحت بالفعل جزءاً من شبكة منتظمة للنقل البحري الجزائري، إذ تدرج الشركة نواكشوط ونواذيبو وداكار ضمن وجهاتها المنتظمة في غرب إفريقيا.

ماذا تستفيد موريتانيا؟

إذا نجحت هذه المشاريع في الوصول إلى حجم تجاري مستدام، فإن المكاسب المحتملة بالنسبة لموريتانيا تتجاوز الرسوم المباشرة على حركة البضائع.

فزيادة حركة الموانئ تعني طلباً أكبر على خدمات التخزين والتفريغ والنقل والتخليص الجمركي، فضلاً عن إمكانات تطوير الصناعات والخدمات المرتبطة باللوجستيات.

كما يمكن أن تستفيد الشركات الموريتانية من انخفاض تكاليف النقل لبعض السلع الجزائرية، ومن زيادة الخيارات أمام المستوردين، في وقت تسعى فيه نواكشوط إلى تعزيز موقعها كمركز تجاري بين شمال إفريقيا وغربها.

ويمكن، على المدى الأبعد، أن تفتح هذه الحركة المجال أمام موريتانيا للاستفادة من إعادة تصدير بعض السلع إلى أسواق مجاورة، إذا توافرت البنية التحتية والإجراءات الجمركية واللوجستية الملائمة.

الميناء عامل حاسم

غير أن تحول موريتانيا إلى منصة إقليمية لن يتحقق بمجرد وصول السفن.

فنجاح هذا الدور يحتاج إلى موانئ قادرة على استقبال وتخزين ومناولة كميات أكبر من البضائع، وشبكة نقل بري فعالة، وإجراءات جمركية سريعة، وخدمات لوجستية متطورة.

وهنا تبرز أهمية التطور الذي أعلنته «كنان الجزائر» نفسها في مجال الحاويات المبردة، إذ تخطط الشركة لاقتناء حاويات من هذا النوع لتوسيع خدماتها إلى المنتجات الطازجة والأدوية.

وتكشف هذه الخطوة عن تحول مهم في طبيعة التجارة التي يمكن أن تمر عبر الخطوط البحرية، من السلع الجافة ومواد البناء إلى منتجات أكثر حساسية للوقت ودرجات الحرارة.

منافسة على ممرات غرب إفريقيا

ولا يمكن قراءة هذه التطورات بعيداً عن التنافس الإقليمي على طرق الوصول إلى أسواق غرب إفريقيا.

فالمغرب يعمل بدوره على تعزيز روابطه التجارية والبحرية مع المنطقة، ومن بين المشاريع التي ظهرت في هذا السياق خط بحري بين أكادير وداكار، بهدف تسهيل نقل السلع المغربية نحو السنغال ثم إلى أسواق غرب إفريقيا والساحل.

لكن من المهم عدم اختزال التحرك الجزائري في المنافسة مع المغرب وحدها؛ فالمشروع الجزائري يرتبط أيضاً بسياسة أوسع لتوسيع الصادرات وتنويع الاقتصاد وتعزيز الاندماج الإفريقي.

وتشير مجلة الجيش الجزائرية إلى أن مشاريع الربط مع موريتانيا ومنطقة الساحل تندرج ضمن طموحات الجزائر الاقتصادية في القارة الإفريقية، وفي إطار دعم الاندماج الإفريقي والتعاون جنوب ـ جنوب ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

هل تصبح نواكشوط مركزاً لإعادة التصدير؟

هذا هو السؤال الأهم الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة.

فمن الناحية الجغرافية، تمتلك موريتانيا المقومات الأولية لذلك: موقع على الأطلسي، حدود مع شمال إفريقيا والساحل، موانئ، وطرق تربطها بجوارها الإقليمي.

ومن الناحية الجزائرية، هناك استثمار متزامن في النقل البحري والطرق البرية والمعابر الحدودية والمناطق الحرة.

لكن تحويل هذه المقومات إلى منصة إقليمية فعلية يحتاج إلى حجم تجاري كبير ومستقر، وإلى تطوير سلاسل الإمداد، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وتوفير مخازن ومناطق لوجستية، وتحسين الربط البري مع الأسواق الجنوبية.

كما أن نجاح المشروع سيعتمد على قدرة السلع الجزائرية نفسها على المنافسة في أسواق غرب إفريقيا، التي تشهد حضوراً قوياً لمنتجات آسيوية وأوروبية ومغاربية.

من مشروع نقل إلى ممر اقتصادي

المؤشرات المتوافرة حتى الآن توحي بأن الجزائر لا تنظر إلى الخط البحري باعتباره مجرد خدمة نقل جديدة.

فالخط البحري إلى موريتانيا والسنغال، وطريق تندوف ـ الزويرات، والمعابر الحدودية، والمنطقة الحرة، والمعارض التجارية، والاتفاقيات الاقتصادية، كلها تشكل حلقات في مسار واحد.

وإذا اكتملت هذه الحلقات، فقد تنتقل العلاقة الاقتصادية الجزائرية ـ الموريتانية من نموذج التجارة الثنائية التقليدية إلى نموذج الممر الاقتصادي الذي يربط الإنتاج الجزائري بالموانئ الموريتانية ثم بأسواق غرب إفريقيا.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية إضافية في ضوء إعلان «كنان الجزائر» حالياً عن رحلات منتظمة إلى نواكشوط ونواذيبو وداكار، وعن خطط لتطوير أسطولها وحاوياتها المبردة.

موريتانيا أمام فرصة استراتيجية

بالنسبة لموريتانيا، قد تكون القيمة الحقيقية لهذه المشاريع في قدرتها على تحويل الموقع الجغرافي من مجرد ميزة طبيعية إلى ميزة اقتصادية قابلة للاستثمار.

فالدولة التي تقع بين المغرب العربي وغرب إفريقيا تستطيع أن تستفيد من تعدد الممرات التجارية المتجهة إليها، سواء من الجزائر شمالاً أو المغرب شمال غرب أو أوروبا عبر الأطلسي، شريطة أن تطور بنيتها المينائية واللوجستية بما يسمح لها بالتحول من بلد عبور إلى مركز للخدمات التجارية.

وفي هذا السياق، فإن الخط الجزائري لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد خط يربط ميناءً جزائرياً بنواكشوط وداكار، بل باعتباره جزءاً من إعادة رسم تدريجية لخريطة طرق التجارة في المنطقة.

فالطريق البحري يفتح الباب من الشمال، وطريق تندوف ـ الزويرات يمده براً، بينما يمكن للموانئ الموريتانية أن تشكل نقطة الالتقاء بين المسارين.

وهكذا، فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا ستبيع الجزائر لموريتانيا؟ بل أصبح: هل تستطيع موريتانيا أن تتحول إلى البوابة التي تمر عبرها المنتجات الجزائرية نحو غرب إفريقيا؟

المعطيات الحالية تشير إلى أن الجزائر تبني بالفعل الأدوات اللازمة لهذا الهدف، لكن نجاح الرهان سيظل مرتبطاً بقدرة البلدين على تحويل مشاريع البنية التحتية والنقل إلى حركة تجارية منتظمة وكبيرة، وبقدرة موريتانيا على استثمار موقعها الجغرافي وتحويله إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

وفي حال تحقق ذلك، فقد تجد نواكشوط نفسها أمام فرصة لتصبح حلقة وصل تجارية بين المغرب العربي وغرب إفريقيا، بينما تحصل الجزائر على منفذ عملي جديد إلى الأسواق الإفريقية، يتجاوز حدود السوق الموريتانية إلى فضاء اقتصادي إقليمي أوسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى