بيئة ومناخ

موجات الحر تستنزف الاقتصاد.. مليارات تتبخر من الإنتاجية والطاقة والمالية العامة

خسائر تمتد من تراجع الإنتاجية وارتفاع فواتير الطاقة إلى أضرار الزراعة وضغوط متزايدة على موازنات الحكومات

لم تعد موجات الحر مجرد ظاهرة مناخية تؤثر في الحياة اليومية، بل تحولت إلى ضغط اقتصادي متزايد يمتد من سوق العمل والطاقة إلى الزراعة والنقل والمالية العامة، مع ارتفاع كلفة التكيف مع درجات الحرارة القياسية.

وتظهر تقديرات حديثة حجم هذه الفاتورة. ففي بريطانيا، أظهرت دراسة أجرتها كلية لندن للاقتصاد أن موجة الحر التي ضربت البلاد في يونيو 2026 تسببت في فقدان نحو 24 مليون ساعة عمل، ما انعكس بخسارة تُقدّر بـ1.15 مليار جنيه إسترليني من الناتج الاقتصادي. كما قُدرت خسائر موجات الحر المتكررة في بريطانيا بنحو 4.4 مليارات جنيه إسترليني حتى نهاية يوليو. (LSE⁠)

وتبدأ الخسائر من أماكن العمل، إذ يؤدي ارتفاع الحرارة إلى إرهاق العمال وتراجع قدرتهم على التركيز والعمل لساعات طويلة، خصوصًا في قطاعات البناء والزراعة والنقل. وفي فرنسا، تشير وزارة الخزانة إلى أن درجات الحرارة التي تتجاوز 38 درجة مئوية يمكن أن تقلل مدة العمل اليومية بنحو ساعة في القطاعات الأكثر تعرضًا للإجهاد الحراري.

ولا تسلم الزراعة من الفاتورة. فقد أدت موجة الحر الأوروبية في يونيو إلى خفض توقعات إنتاج الحبوب بنحو 9 ملايين طن في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، مع تقديرات بخسارة تتجاوز ملياري يورو من قيمة المحاصيل. وكانت فرنسا من أكثر الدول تضررًا، مع خسائر مقدرة بنحو 4.1 ملايين طن من الحبوب.

وفي قطاع الطاقة، يتسبب الحر في مشكلة مزدوجة؛ فارتفاع درجات الحرارة يزيد الطلب على أجهزة التكييف والتبريد، بينما يمكن أن تتراجع قدرة بعض محطات الكهرباء على الإنتاج بسبب انخفاض مستويات المياه وارتفاع حرارتها. وفي فرنسا، اضطرت عدة مفاعلات نووية خلال أغسطس إلى خفض الإنتاج أو التوقف مؤقتًا بسبب ظروف الحرارة والجفاف.

كما ارتفعت تكاليف الكهرباء خلال موجة الحر الأوروبية في يونيو، إذ قُدرت الزيادة في فواتير الكهرباء في فرنسا وألمانيا وحدهما بأكثر من 700 مليون يورو خلال أسبوع واحد، نتيجة ارتفاع الطلب والأسعار. (euronews⁠)

وتنتقل آثار الحرارة أيضًا إلى النقل وسلاسل الإمداد. فقد أدى انخفاض منسوب نهري الراين والدانوب إلى تعطيل حركة الشحن، ما يرفع تكاليف نقل المواد الخام والبضائع ويؤثر في قطاعات صناعية تعتمد على الممرات المائية. كما تضررت السياحة في بعض المناطق الأوروبية مع اشتداد درجات الحرارة، بينما تعرضت مناطق زراعية واسعة للجفاف والحرائق.

أما الحكومات، فتواجه فاتورة إضافية تتمثل في تمويل عمليات الإطفاء والطوارئ والرعاية الصحية وإصلاح البنية التحتية وتعويض بعض المتضررين. وفي فرنسا، قدرت وزارة البيئة تكلفة موجات الحر الأخيرة بما بين 10 و15 مليار يورو، بينما حذرت تقديرات أخرى من أن استمرار الظروف المناخية القاسية قد يزيد الضغوط على الموازنات العامة. (Reuters⁠)

وتشير تقديرات بنك هولندي إلى أن موجات الحر والجفاف الشديدين في 2026 قد يخفضان الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بنحو 1%، أي ما يقارب 180 مليار يورو، بسبب تراجع الإنتاجية والاضطرابات التي تصيب قطاعات متعددة.

وهكذا، لا يدفع طرف واحد فاتورة موجات الحر؛ فالعمال يخسرون ساعات إنتاج، والمزارعون يخسرون جزءًا من محاصيلهم، والمستهلكون يواجهون تكاليف طاقة أعلى، بينما تتحمل الحكومات نفقات الطوارئ والتكيف. ومع تكرار موجات الحر وشدتها، يتزايد خطر تحول هذه الخسائر من أضرار موسمية مؤقتة إلى عبء اقتصادي طويل الأمد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى