مقالات وآراء

موريتانيا… ذاكرة التعايش وآفاق الوحدة

لم تُبنَ موريتانيا على لونٍ واحد، ولا على لسانٍ واحد، ولا على روايةٍ أحادية للتاريخ، وإنما تشكلت عبر قرون من التفاعل بين مكوناتها العربية والزنجية الإفريقية، في فضاء صحراوي ونهري جمع القبائل والجماعات، وربط بينها الدين الإسلامي، والمصالح المشتركة، وحسن الجوار، والتبادل العلمي والتجاري، حتى أصبحت هذه الأرض وطناً يتقاسم الجميع الانتماء إليه.


لقد عرف الآباء والأجداد، عرباً وزنوجاً، أشكالاً متعددة من التعايش والتعاون، وتقاسموا الأفراح والأتراح، ووقفوا صفاً واحداً في مواجهة الجفاف والمجاعة والغزو الاستعماري، وأسهموا جميعاً في صناعة الشخصية الموريتانية التي تجمع بين الأصالة والانفتاح. ولم يكن التاريخ كله صراعاً، كما لم يكن كله مثالياً؛ بل كان، ككل تاريخ بشري، مزيجاً من الصفحات المشرقة والصفحات التي تستوجب المراجعة والإنصاف.


ومن الحقائق التاريخية أن ظاهرة الرق، بتجلياتها المختلفة، لم تكن حكراً على مجتمع البظان، بيضاً وسُمراً، دون غيره، بل عرفتها الفئات الزنجية الإفريقية بصور اختلفت باختلاف البيئات والأزمنة. ففي بعضها لم يكن يُسمح للعبيد بالجلوس على فراش الأسياد، وكانت توجد مقابر خاصة بالعبيد وأخرى للأسياد.

وفي مثل هذه الأجواء نشأت فئة “الحراطين”، وهم جزء أصيل من المكون العربي الإسلامي، تجمعهم مع غيرهم وحدة الدين واللغة والثقافة والانتماء الوطني، وقد أسهموا إسهاماً كبيراً في بناء البلاد والدفاع عنها وإحياء علومها وتنمية اقتصادها. وكانت تلك مظاهر للفصل الاجتماعي في بعض البيئات، غير أنها أصبحت جزءاً من الماضي الذي تجاوزه القانون والضمير الإنساني.


إن استحضار هذه الوقائع ينبغي أن يكون بهدف الفهم التاريخي لا لإحياء الخصومات، وبقصد بناء ذاكرة وطنية متوازنة تعترف بما وقع من مظالم، وتؤكد في الوقت نفسه أن مسؤولية الحاضر هي تجاوز رواسب الماضي، لا تحويلها إلى وقود لصراعات جديدة.
غير أن بعض المبادرات التي طُرحت في الفترات الأخيرة لمعالجة هذا الملف لم تُسهم في تهدئة النقاش الوطني بقدر ما أعادت إنتاجه بصورة أكثر استقطاباً. ومن أبرزها عريضة ركزت بصورة غير متوازنة على العبودية في المجتمع العربي، وقدمتها وكأنها الإطار الوحيد لفهم هذه الظاهرة التاريخية، متجاهلة أن الرق عرفته مجتمعات متعددة في المنطقة بأشكال مختلفة، وأن معالجته لا تكون بالانتقائية أو بتخصيص مكون دون آخر بالمسؤولية التاريخية. كما بالغت الوثيقة في تصوير واقع “لحراطين”، وطالبت بإدراجهم صراحة في الوثيقة الدستورية باعتبار ذلك معالجة للمظلمة التاريخية، مع فرض كوتا “cota” لتمثيلهم في مراكز صنع القرار.

وتكمن خطورة هذا الطرح في أنه ينقل الانتماءات الاجتماعية من المجال الاجتماعي إلى المجال الدستوري، ويؤسس لمنطق المحاصصة بدلاً من ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، ويفتح الباب أمام مطالب فئوية متقابلة قد تُضعف وحدة الدولة وتُغذي الانقسامات التي تسعي النخبة السياسية إلى تجاوزها.

كما أن هذه المقاربة لا تنسجم مع الواقع القانوني والمؤسسي في موريتانيا، حيث جُرِّمت العبودية وشُددت العقوبات على ممارسيها، وأصبحت هذه الممارسة، في نظر كثيرين، جزءاً من الذاكرة التاريخية أكثر من كونها نظاماً اجتماعياً قائماً.

ولذلك فإن تحويل هذا الإرث التاريخي إلى أساس لإعادة صياغة الوثيقة الدستورية لا يخدم مشروع الدولة الوطنية، بل قد يكرس الانتماءات الفئوية داخل أسمى وثيقة قانونية في البلاد. وقد لقيت هذه الوثيقة انتقادات واسعة في الساحة الوطنية، ومن أبرزها ما صدر عن قادة من نفس الشريحة أمثال د.ألمين المختار و النائب بيرام الداه اعبيد ود.خليلو الدده، رأوا أنها تُكرس المحاصصة بدل أن تؤسس لمواطنة متساوية، وهو ما يعكس أن الاعتراض عليها لم يقتصر على اتجاه سياسي أو فكري واحد، وإنما انطلق أيضاً من التخوف من أن يؤدي هذا المسار إلى إضعاف فكرة الدولة الجامعة.


وفي هذا السياق، تبرز اللغة العربية باعتبارها أحد أهم الجوامع الوطنية في موريتانيا. فهي لغة القرآن الكريم، ولسان الشعائر الإسلامية، والوعاء الذي حفظ العلوم الشرعية والفقهية التي اشتهرت بها بلاد شنقيط عبر القرون. ولم تكن العربية مجرد وسيلة للتخاطب، بل كانت لغة التعليم، والقضاء، والإفتاء، والأدب، وأسهمت في تشكيل وجدان الموريتانيين بمختلف مكوناتهم.

وإن مكانة العربية لا تتعارض مع الاعتزاز باللغات الوطنية الأخرى، بل إن حماية التنوع اللغوي والثقافي تُعد مصدر غنى للمجتمع، بينما تبقى العربية، بحكم الدستور والتاريخ والدين، اللغة الجامعة التي تعزز التواصل بين أبناء الوطن، وترسخ وحدة المرجعية الإسلامية والثقافية.


واليوم، وفي ظل الحوار الوطني الذي تقف موريتانيا اليوم ، علي اعتاب انطلاق نسخة جديدة منه ، رغم تعثراته- تبرز فرصة تاريخية ينبغي ألا تُهدر، إذ إن المأمول من هذا الحوار أن يفضي إلى ميثاق وطني جامع يرسخ المساواة بين المواطنين، ويحصن الوحدة الوطنية، ويجرم كل أشكال التمييز والكراهية، ويعزز دولة القانون والمؤسسات، ويؤكد التداول السلمي على السلطة في ظل احترام الدستور. كما ينبغي أن يحسم القضايا الوطنية الكبرى بروح التوافق، فيؤكد الهوية الإسلامية الجامعة، ويصون مكانة اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية للدولة ولسان القرآن الكريم والتراث العلمي الشنقيطي، مع توفير الرعاية اللازمة للغات الوطنية الأخرى بوصفها جزءاً أصيلاً من التنوع الثقافي الموريتاني.

ومن الضروري أيضاً أن يضع أسساً لعدالة اجتماعية حقيقية، وتكافؤ الفرص، والتنمية المتوازنة، حتى يشعر كل مواطن بأن الدولة دولته، وأن الوطن يتسع للجميع دون تمييز أو إقصاء.
ولذلك فإن بناء موريتانيا المستقبل لا يكون بإحياء الانقسامات، ولا بإعادة محاكمة الأجداد بمنطق الحاضر، وإنما بتعزيز دولة المواطنة، وسيادة القانون، والمساواة بين جميع المواطنين، واحترام كرامة الإنسان، وترسيخ ثقافة الحوار والإنصاف. فالأمم القوية لا تنكر تاريخها، لكنها أيضاً لا تسمح له بأن يسجن مستقبلها.


وإذا كانت الذاكرة الوطنية تستحق الصراحة، فإن المستقبل يستحق الحكمة. والحكمة تقتضي أن نجعل من الإسلام الجامع، ومن اللغة العربية الجامعة، ومن التنوع الثقافي الثري، ومن المواطنة المتساوية، ركائز لمشروع وطني يلتقي عنده جميع الموريتانيين، على قاعدة الأخوة والعدل والاحترام المتبادل، حتى تبقى موريتانيا وطناً يتسع للجميع، وتبقى وحدتها الوطنية فوق كل اعتبار.

فبمثل هذا الوعي التاريخي، وهذه الإرادة السياسية، يتحول الحوار الوطني من مجرد محطة سياسية عابرة إلى لحظة تأسيسية تؤسس لموريتانيا أكثر تماسكاً وعدلاً واستقراراً، قوامها المواطنة، ووحدتها الإسلام، ولسانها الجامع العربية، وتنوعها الثقافي مصدر قوة وإثراء لا سبباً للخلاف والانقسام…


عبد الرحمن سيد امحمد

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى