قراءة تقييمية للرد على بيان حزب AJD/MR وحركة IRA

يستحق الرد الذي كُتب على البيان الأخير التقدير لما اتسم به من حرص على إعادة النقاش إلى جوهره الوطني والحقوقي، بعيدًا عن محاولات حصر المظالم في إطار فئة بعينها، أو تقديم معاناة مجموعة محددة باعتبارها المعيار الوحيد للإنصاف. فقد أعاد التأكيد على أن العدالة لا تتجزأ، وأن المصالحة الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تقوم على الانتقائية أو المفاضلة بين الضحايا، وإنما على الاعتراف المتساوي بجميع الانتهاكات التي مست أبناء الوطن بمختلف انتماءاتهم.
كما كشف الرد ما ينطوي عليه البيان من نزعات إقصائية وخطاب يقوم على تصنيف المواطنين وفق الهويات والانتماءات، بما يهدد فرص بناء ذاكرة وطنية مشتركة ورؤية جامعة للإنصاف وجبر الضرر. ومن هذه الزاوية، لا يمثل الرد مجرد موقف من بيان عابر، بل دفاعًا عن مبدأ المواطنة المتساوية، وعن حق جميع الضحايا في الاعتراف والإنصاف بعيدًا عن أي تمييز عرقي أو اجتماعي أو سياسي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التمسك بمقاربة وطنية شاملة ترفض احتكار المظلومية وتتصدى لكل أشكال الإقصاء، باعتبار ذلك المدخل الأنجع لترسيخ الوحدة الوطنية وتحقيق مصالحة قائمة على العدالة والإنصاف للجميع.
يثير البيان الصادر عن هذه الجهات جملة من الملاحظات المتعلقة بطبيعة الخطاب الذي يتبناه ومقاربته لملف المظالم الوطنية. فبدلًا من النظر إلى الانتهاكات التي شهدها الوطن باعتبارها جزءًا من ذاكرة وطنية مشتركة تستوجب معالجة شاملة ومتوازنة، ينزع الخطاب إلى حصر الاهتمام في فئة محددة من الضحايا، وتقديم معاناتها باعتبارها القضية الأبرز والأكثر استحقاقًا للإنصاف، مع إغفال أو تهميش مظالم أخرى طالت فئات مختلفة من المواطنين.
الجهات الموقعة على البيان يمكن وصف خطابها بأنه يحمل مضامين عنصرية وإقصائية، ويتجلى ذلك في تركيزها على فئة محددة من الضحايا، وتقديم معاناتها باعتبارها أولوية منفصلة عن بقية المظالم الوطنية، بما يوحي بتمييز قائم على الانتماء العرقي أو الاجتماعي. كما أن الخطاب الوارد في البيان يتضمن، في بعض مواضعه، تعميمات وتصنيفات تعزز الانقسام بين مكونات المجتمع، بدلًا من ترسيخ مبدأ المساواة بين المواطنين.
ويُستدل على هذا الطابع العنصري من خلال اللغة المستخدمة التي تحصر الحقوق والإنصاف في إطار جماعة بعينها، وتتجاهل أو تقلل من معاناة ضحايا آخرين تعرضوا لانتهاكات مماثلة. كما أن الإصرار على معالجة قضية محددة بمعزل عن السياق الوطني الأشمل يعكس نزعة تفضيلية لا تنسجم مع مبادئ العدالة المتساوية وحقوق الإنسان، التي تقوم على عدم التمييز بين الأفراد والجماعات.
ومن ثم، فإن الخطاب الذي تتبناه الجهات الموقعة على البيان، وفق هذا الفهم، لا يسهم في بناء رؤية وطنية جامعة، بل يعزز الاستقطاب ويكرس مقاربات قائمة على الهوية والانتماء، وهو ما يتعارض مع متطلبات الإنصاف الشامل والمصالحة الوطنية التي تستوجب التعامل مع جميع الضحايا على قدم المساواة، دون أي تمييز عرقي أو اجتماعي أو سياسي.
إن العدالة لا تتجزأ، والإنصاف الحقيقي لا يقوم على انتقاء الضحايا أو المفاضلة بينهم، وإنما على الاعتراف المتساوي بجميع الانتهاكات التي مست المواطنين على اختلاف انتماءاتهم، والعمل على جبر الضرر وفق معايير موحدة وعادلة. ولذلك، فإن أي خطاب يحصر المظلومية في إطار جماعة بعينها، أو يتعامل مع الضحايا بمنطق التراتبية والتمييز، يبتعد عن مقتضيات المصالحة الوطنية الشاملة، ويضعف فرص بناء توافق وطني قائم على المساواة والمواطنة المشتركة.
ومن هذا المنطلق، فإن معالجة ملفات الماضي ينبغي أن تتم في إطار رؤية وطنية شاملة تعترف بجميع الضحايا، وتمنحهم المكانة نفسها أمام القانون وأمام الذاكرة الوطنية، بعيدًا عن الاعتبارات العرقية أو الاجتماعية أو السياسية، بما يعزز الوحدة الوطنية ويؤسس لمصالحة قائمة على العدالة والإنصاف للجميع.
سيدي محمد ولد الخليفة







