مقالات وآراء

موريتانيا إلى أين؟… قراءة في تصاعد الاحتقان السياسي والاجتماعي

إن السؤال: موريتانيا إلى أين؟ لم يعد مجرد تعبير عن قلق عابر، بل أصبح انعكاسًا لحالة وطنية تتزايد فيها مؤشرات التوتر السياسي والاجتماعي، وتتعاظم فيها المخاوف من انزلاق الخطاب العام نحو مزيد من الانقسام والاحتقان.
وفي وقتٍ تتعدد فيه جهات النقد، إلى درجة أن بعضه يصدر من داخل الأغلبية نفسها، مع توجيه اتهامات بعدم حياد القضاء، تتراجع النخب عن دورها التنويري لصالح حسابات ضيقة ومصالح ظرفية. كما أن تصاعد خطابات التحريض والاتهامات المتبادلة يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين الدولة والمجتمع، وبين القوى السياسية نفسها.
ويزداد المشهد خطورة حين تتحول بعض التصريحات إلى أدوات لإثارة التوتر الاجتماعي وتأجيج حساسيات المجتمع، كما هو الحال في بعض الأطروحات الأخيرة التي صدرت عن الساموري ولد بي وبرام ولد الداه ولد اعبيد، والتي حملت مضامين مثيرة للفتنة والصراع، حيث تجاوزت حدود النقد السياسي المشروع إلى خطاب قد يُفهم منه تغذية الانقسام وإحياء مشاعر الاحتقان بين مكونات المجتمع. ومثل هذه الطروحات لا تخدم الاستقرار الوطني، بل تفتح المجال أمام مزيد من الاستقطاب وتهدد السلم الأهلي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى خطاب مسؤول يعزز الوحدة الوطنية ويُقدّم المصلحة العليا على الحسابات الضيقة.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع تصاعد الخطاب الشرائحي والعرقي الذي بات يُوظَّف أحيانًا كوسيلة للضغط السياسي وإثارة التوتر الاجتماعي، بل إن بعض الأطراف أصبحت تتعامل معه وكأنه مصدر نفوذ أو مكاسب، من خلال تبادل الأدوار بين شخصيات معروفة دأبت على الاستثمار في الأزمات بدل الإسهام في حلها. والأخطر من ذلك أن بعض هذه الخطابات لم تعد تكتفي بإثارة الانقسام الداخلي، بل أصبحت تلوّح بالاستقواء بالخارج أو توظيف العامل الأجنبي كورقة ضغط، وهو أمر يحمل مخاطر كبيرة على السيادة الوطنية ووحدة المجتمع.
كما أن المسؤولية عن هذا الاحتقان لا يمكن حصرها في المعارضة أو دعاة الفتنة وحدهم، إذ إن بعض الجهات داخل الأغلبية نفسها، ممن تمتلك خبرة طويلة في صناعة الأزمات وإدارتها، تبدو أحيانًا جزءًا من هذا المناخ المتوتر، سواء عبر الصمت أو عبر تغذية الاستقطاب بصورة غير مباشرة. وهو ما يجعل الحاجة ملحّة اليوم إلى موقف وطني جامع يرفض المتاجرة بالانقسامات، ويضع مصلحة الوطن فوق كل الحسابات السياسية الضيقة.
غير أن أخطر ما في المشهد ليس وجود الأزمات في حد ذاتها، بل غياب الإرادة الجادة لمعالجتها ضمن مشروع وطني جامع. فاستمرار الاستقطاب، وتنامي الخطابات الشرائحية والعرقية، كلها مؤشرات تدفع إلى التساؤل حول قدرة البلاد على حماية وحدتها الوطنية واستقرارها الاجتماعي في المستقبل.
ومع ذلك، فإن موريتانيا ليس محكوماعليها بالانهيار ولا مقدَّرًا لها السير نحو الفوضى، إذا ما أدركت القوى الوطنية أن اللحظة تتطلب تغليب منطق الدولة والمواطنة على منطق المصالح الضيقة والانتماءات الفئوية. فالبلد يمتلك من الرصيد التاريخي والاجتماعي ما يؤهله لتجاوز الأزمات، لكنه يحتاج إلى إصلاح سياسي حقيقي، وعدالة متوازنة، وحوار وطني صادق يعالج جذور الاحتقان بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه.
إن مستقبل موريتانيا سيتحدد بقدرة نخبها السياسية والفكرية على الانتقال من خطاب التخويف والتشكيك إلى خطاب المسؤولية الوطنية، ومن الصراع حول الامتيازات إلى التنافس حول بناء دولة عادلة وقوية تحتضن جميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس: موريتانيا إلى أين؟
بل: هل تمتلك نخبها الشجاعة الكافية لإنقاذها قبل أن تتسع دائرة الأزمة؟
سيدي محمد ولداخليفه

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى